• اخر الاخبار

    تـونس و "أمثولة الكهف": من حق أي مواطن أن يدافع عن الغنوشي و الحكومة الحالية

      
    تتوالى الأحداث في تونس و تتوالى ورائها المقالات، التي تعبر عن اختلاف وجهات النظر، هذا الاختلاف في حد ذاته لا يعبر عن حالة فوضى أو "دخلان في حيط"، بل يعبرُ عن نشاط الساحة العامة في تونس، ساحة كانت مُغيبة لسنوات طويلة، و لعل هذا الغياب، و تعودنا على صوت واحد لم يكن لنا الحق إلا "تثمينهُ عالياً" هو ما يجعل البعض يتحدث عن الفوضى، في صورة قريبة جدًا من "أمثولة الكهف" لأفلاطون حول مجموعة من الأشخاص تعودوا ظلام الكهف، فعندما خرجوا لم يستطيعوا تحمل نور الشمس ليعودوا مسرعين إلى كهفهم، معتقدين أن ظلمة الكهف هي الوضع الطبيعي.


    إن الذين يستعذبون اليوم ظلمة الكهف ليس لهم الحق في مصادرة حقنا في نور الشمس، من هنا فأن لي الحق كما أنهُ لأي مواطن الحق في التعبير عن رأيه، في إطار ساحة عامة تظم الجميع و تقبل الآراء مهما اختلفت و تباعدت.


    إذن من حق أي شخص أن يدافع عن الوزير الأول المستقيل السيد محمد الغنوشي، و ما خلفهُ لنا من تركة سياسية بعد 14 جانفي 2011، و تركة اقتصادية بعد أكثر من 20 سنة من عمله في هذا المجال، من حقه أن يعتصم و يتظاهر مُطالبًا بإعادته للحكم إذا كان يرى أن تركتهُ السياسية و الاقتصادية حققت المعجزة، من حقه أن يقول أنهُ شخصية نظيفة و ذو أخلاق عالية، لم يكن لهُ أي مسؤولية عن أخطاء العهد البائد، لم يعلم طيلة 20 سنة بأن هناك تعذيب في تونس، و لم يكن مسؤولاً عن أي تفويت في الممتلكات العامة بأبخس الأثمان، من حقه أن يقول أن السيد الغنوشي أراد الإصلاح من الداخل، و لم ييأس من محاولة الإصلاح سنةً بعد سنة و طيلة عشرين سنة و هو يحاول، و لم يفكر يومًا في الاستقالة، و حتى يوم 12 جانفي عندما أطل علينا على غير العادة بقي يحاول، و حتى دفاعهُ عن بن علي الذي كان يقتل شعبهُ و السيد الغنوشي يذكرنا بانجازاته العظيمة، كان لمصلحة تونس و من أجل استقرار تونس.


    إذا كان أي مواطن مقتنعًا بما حققهُ السيد الغنوشي من "إنجازات باهرة"، فمن حقه أن يعتصم و أن يتظاهر و أن يُنظم مسيرات مليونية، تطالبُ بعودته، كما أنهُ اليوم من حق أي مواطن أن ينتقد المُعتصمين بالقصبة و من معهم، من حقه أن ينتقدهم إذا كان يرى أنهم يعملون ضد تونس و ضد مصلحة الشعب التونسي، من حقه أن ينتقدهم إذا كان مقتنعًا بالحكومة التجمعية الأولى التي أسقطوها، من حقه أن ينتقدهم إذا كان مقتنعًا بالولاة التجمعيين الذين سقطوا، من حقه أن ينتقدهم إذا كان ضد حل التجمع...


    كذلك من حق أي مواطن أن يدافع عن الحكومة الحالية، إذا كان مُقتنعًا بأدائها، و بأنها ليست هي التي فتحت باب المطالب الاجتماعية بزيادتها في أجر قطاع معين (البوليس) على حساب بقية القطاعات، إذا كان مقتنعًا بتحسن الظروف الأمنية في ظل حكمها، و أن التعذيب قد انتهى، و البوليس السياسي قد حل، و الذين قتلوا الشهداء أثناء ثورة الكرامة قد قُبض عليهم و هم في طريقهم للمحاسبة، من حقه أن يدافع عنها إذا لم يلاحظ أي ريبة في قراراتها المُتسرعة حينًا و المترددة أحيانًا كثيرة، من حقه إذا كان يرى أن هذه الحكومة تعرفُ طبيعة مهامها الوقتية التي لا تتمثل في تنظيم مؤتمر دولي من أجل طلب قروض، ستتحمل عبأها المجموعة الوطنية لسنوات طويلة، لأي مواطن الحق في أن يدافع عن هذه الحكومة و ينادي ببقائها، إذا كان مؤمننًا بأنها هي فعلاً التي تحكم.


    كذلك لأي مواطن الحق في أن يصف الوضع الراهن في تونس بأنهُ "فوضى عارمة" و "دخلان في حيط"، و بأن البلاد تسير في الهاوية، لكن لأي مواطن أخر الحق في أن يرد عليه و يقدم نظرية أخرى حول نفس الوضع. 


    فمثلاً يمكن لهذا المواطن الأخر أن يوصف الحالة اليوم بأنها حالة بلد يعرف تحولات جذرية و سريعة، من نظام ديكتاوري إلى نظام ديمقراطي، و بأن الفوضى الأمنية هي مسؤولية الدولة و مؤسساتها، و ليس لديها أي علاقة بالمطالب السياسية، كما أن هذا المواطن يدعُو إلى العودة إلى تاريخ الديمقراطيات العريقة و المعاصرة، و النظر في تجاربها، و كيف أنها عرفت نفس الظروف التي تعيشها تونس اليوم، فمثلاً إسبانيا عاشت في مرحلة انتقالية من 1975 إلى 1978، إذ أن المصادقة على الدستور و إقرار النظام المنظم للحياة السياسية لم يكن إلا بعد ثلاث سنوات من وفاة فرنكو.


    إذن في الأخير لا يمكن أن أقول لأصحاب الكهف سوى أننا لن نعود إلى كهفكم مهما فعلتم، نور الشمس لن تحجبهُ عنا إشاعتكم للفوضى و التخريب، فقد تحررت أرواحنا من أغلالكم

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: تـونس و "أمثولة الكهف": من حق أي مواطن أن يدافع عن الغنوشي و الحكومة الحالية Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى