• اخر الاخبار

    "الرواية الزرقاء"، رواية ذات لون وطعم ورائحة





    للرواية لونٌ وطعمٌ ورائحة، هذا ما تؤكدهُ "الرواية الزرقاء" لحسن بن عثمان، الذي استطاع أن يرسم بريشته الساخرة، الحزينة والغاضبة أحداث وتفاصيل زمن رديء ومُتقلب، يبدأ رمزيًا بطلوع البدر في مطار تونس قرطاج الدولي، وخسوفه في مدينة القوابس، المكتوية بأبناء القمر.

    اختار حسن بن عثمان وهو يحاولُ أن يمسك بتفاصيل "الزمن الأزرق" أن يتابع مسار عدد من الشخصيات، كالمحامي عبديل، الذي أشاح لهُ هذا الزمن بكل وجوهه الكريهة، في بنفسجيته أو زرقته، فهو لم يكن من المتمتعين بامتيازات المتعاونين مع نظام الجنرال، ولم تسعفهُ أيام سجنه المعدودة أو قرابتهُ بشيوخ الجماعة للتمتع بنظام التعويضات أو الريع النضالي، ليجد بذلك نفسهُ وحيدًا، ينتظر بشارة المسيح، في عصرٍ بدا فيه الصلبُ أقرب لكل مُعتقدٍ في غير ما عهدت القبائل، سواءً تعلق الأمر بالدين، أو المسرح، الشعر أو الرواية...

    اعتقاد عبديل في البشارة هو إقرار بمدى بؤس "الزمن الأزرق"، وخيبة أمل بطل الرواية في الواقع، الذي ظن أنهُ سيتغير إلى الأفضل وهو يشاهدُ جموع الشعب في شارع الحبيب بورقيبة، وذاك الكاتبُ يصرخ غاضبًا على القناة الوطنية بأن "الرئيس بن علي قد مات". فإذا هو السراب، فالحلم سريعًا ما تحول إلى كابوس، اختلط فيه التكبير بالصراخ وبذيء الكلام، لترفرف الرايات السوداء في كل مكان، من الجامع إلى الجامعة، مرورًا بالمعاهد، إلى الطرقات، فسفارة أمريكا و قمة ساعة شارع الحبيب بورقيبة وغيرها.

    هكذا شكلت غزوات شباب الجماعة فصول "الزمن الأزرق"، الذي وإن كسدت فيه السياحة أو "الدعارة المقننة" كما يقول فيلسوف الجماعة، فقد ازدهرت فيه تجارة الجهل أو المقدس كما يحب أن يرى الظافر ابن أحد شيوخ الجماعة، فالشعب يحسن الظن بكل من بدت عليه مظاهر التدين، مستعد لتصديقه حتى وإن رفع شعار: "من ينتخبنا فقد ضمن الجنة" أو شعار الحملة الإشهارية التي كان ينوي أن يطلقها الظافر وشركائهُ متعددي الجنسيات لماء زمزم المعلب "من شرب ماء زمزم شرب ماء الحج ومن شرب ماء الحج فقد كُتبت لهُ حجة ومن حج وواضب على الشرب فقد ضمن الجنة".

    كان الظافر المُستغني عن نصائح خال سهلول، من أكثر المدركين بأن تجارة المُقدس مفيدة، لا فقط في السياسة -التي لم تكن تعنيه كثيرًا-، بل كذلك في المال والأعمال، فهو ليس من المؤمنين بمقولة "رأس المال est جبان"، خصوصًا في عصر "الخلافة السادسة"، فقط على التاجر الذكي أن يعرف بأي سلعة يتاجر: بالنبيذ والعطر في فرنسا وبماء زمزم أو "مكة كولا" والمسك في بلدان "الزمن الأزرق".

    وإن لم تكن نصائح الخال سهلول مسموعة عند الظافر، فإن عقاقيرهُ المستخرجة من الأعشاب وسم الأفاعي، كانت تجد القبول عند المرضى وأهلهم من المُتعلقين بالأمل الأخير، وخصوصًا عند عبديل وزوجته فانتا، فشفاء دالية ودليلة ابنتي القمر مرتهنٌ بالبشارة أو بخال سهلول، الذي اختار الراوي أن يقدمه كشاهد، عابر للأزمنة وللجغرافيا، فقد عايش الحقبة البورقيبية و النوفمبرية ثم "الزرقاوية"، خالط الحضر، وكان بإعتباره سائقًا في وزارة الخارجية قريبًا من علية القوم، ومن الأجانب، زد على ذلك زوجتهُ الأولى الأجنبية، ليعود بعد تقاعده إلى مدينة القوابس حيث كان يعرف الصحراء ومسالكها كمعرفته بطرقات مدينة تونس وأزقتها.

    يشترك خال سهلول مع عبديل وبنتي القمر، في أنهم جميعًا منبوذون من "الزمن الأزرق"، فالأول ظل رغم كل شيء ناقص الانتماء إلى عرش أولاد الصادح، الذين لم ينسوا أنهُ لا يحمل دمهم، زد على ذلك نقدهُ اللاذع للجماعة، أما عبديل فهو في نظر القبيلة وكل القبائل  مرتد وزنديق حلٌ دمه وماله كما يؤكد والد زوجته فانتا الشيخ عبد السلام؛ أما بنتي القمر فهما في نظر العديد من أفراد الجماعة المؤمنين "ببول البعير" من نسل الشيطان وصنعه.

    على الرغم من عسر المهمة، وصعوبة التخلص من سلطة الواقع، التي قد تصبغ على الرواية بُعدًا تقريريًا مقلقًا في بعض الأحيان، فقد تمكن حسن بن عثمان من أن يقدم للقارئ رواية نابضة، تصور "الزمن الأزرق" دون أن تنسخهُ، تُشاهد في صفحاتها سواد الرايات، حمرة دم الشهداء، ومرارة الأحلام المنكسرة، تكاد تشمُ في الصفحتين الأخيرتين رائحة اللحم المحترق لعبديل ودالية ودليلة أو أبناء القمر.

    الكيخوتي
    24 نوفمبر 2014

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: "الرواية الزرقاء"، رواية ذات لون وطعم ورائحة Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى