• اخر الاخبار

    فيديوهات داعش... دعاية التباهي بالقتل






    منذ مشاهدتي لفيديو إعدام الطيار الأردني "معاذ الكساسبة" وحالة من الاضطراب لا تكاد تفارقني. صُور حقيقية وأخرى متخيلة عن هذا المشهد المرعب: بدلة برتقالية، نظرات هائمة، أسمعُ قهقهة الجلادين، صرخة مكبوتة، طفل صغير يبكي، رائحة شواء...

    كُل هذه الفظاعة تجعل جانبًا في عقلك يرفض واقعية المشهد، حالة من الرفض، والشعور بالرغبة في الاستيقاظ من هذا الكابوس اللعين. القتل ليس فعلاً جديدًا على الإنسانية، الحرق كذلك، لكن الاستمتاع أو التفنن في تصوير القتل هو الأمر الجديد. 

    لقرون عديدة ظلت مشاهد القتل، التدمير والحرق حبيسة الكتب واللوحات الفنية، ثم مع بداية القرن العشرين، أصبح أبناء آدم قادرين على توثيق المجازر التي يرتكبونها. ربما أستطيع أن أجزم بأن الصور التي شاهدها العالم للحربين العالميتين الأولى والثانية قد كانت جدّ صادمة، ولها انعكاسات ولو ضئيلة في التحولات السياسية التي عرفها العالم بعد 1945، وكذلك في نزوع الشعوب للسلام، فموت ملايين الجنود والمدنيين في كل أنحاء العالم، لم يعد مجرد خبر متكون من عدد قليل من الكلمات، بل هي صورة مُتحركة، ترى من خلالها نزيف الجرحى وتسمع صرخات النساء والأطفال، بل تكاد تشم رائحة الجثث المُتعفنة.

    ساهم تقدم البشرية في تطوير آلات القتل، ولكنهُ ساعد كذلك -من خلال القنوات التلفزية والأنترنات- في القدرة على التشهير بالانحرافات الخطيرة للإنسانية، فاليوم نعي جيدًا مأساة الشعب الفلسطيني، كما وقفنا في التسعينات على مأساة المسلمين في البوسنة، وإبادة التوتسي في رواندا...

    من خلال هذا العرض المبسط والمختصر جدًا يظهر أن الصورة وإن كانت وسيلة للدعاية، فإن جانبها التشهيري كان في معظم الأحيان طاغيًا. نفس الأمر كان ممكنًا قولهُ عن الفيديوهات الترويجية "لداعش" خصوصًا وكل الجماعات المُتطرفة عمومًا، لولا البُعد التقني المُتطور والإخراج السينمائي لما تنتجهُ من مشاهد قتل، حيث يمكننا القول أن هذين العاملين قد جعلا الجانب الدعائي يتفوق على الجانب التشهيري، خصوصًا عند فئات الشباب المراد استقطابها.

    هنا نُريد القول أن "داعش" تعمل من خلال هذه الفيديوهات الموجهة حسب اعتقادنا خصوصًا للشباب، إلى تبسيط أو نزع ذلك الإحساس البشري-الأخلاقي عن عمليات القتل، الذبح والحرق، في استثمار للعنف الموجود في العالم الافتراضي، أي محاولة المساواة بين القتل في لعبة فيديو والقتل في الواقع. نفس هذا التحليل يمكن سحبهُ كذلك على الشباب البرتغاليين صانعي هذه الفيديوهات، الذين يبدو أن تمييزهم بين لعبة فيديو أو فيلم سينمائي وما يقومون به في الواقع منعدم.

    المشكل الأساسي اليوم في التعامل مع تنظيم "داعش" وكل التنظيمات المُتطرفة، ليس فقط عقائدي، مرتبط بالحاجة الأكيدة إلى إصلاح ديني إسلامي عميق، بل هو مشكل إنساني-أخلاقي. الأزمة الحضارية للعالم العربي-الإسلامي لا شك فيها، وقد كان من مظاهرها في الفترة المعاصرة ظهور "القاعدة"، أما داعش فهي في رأينا مظهر يتجاوز العالم العربي-الإسلامي ليشمل كُل العالم، فما قدرة هذا التنظيم على استقطاب آلاف المحاربين من كل جنسيات العالم إلا دليل على شمولية الأزمة.

    ليس من أهداف هذا المقال التذكير بمظاهر الأزمة الأخلاقية التي يعيشها العالم اليوم، فقط يمكن أن نكتفي بالإحالة على فضيحة بنك "إتش إس بي سي" المتواطئ مع رجال أعمال، ملوك، ومشاهير...، على نهب ثروات الشعوب. 

    في الجنوب كما هو الأمر في الشمال، في العالم الإسلامي الموسوم بالروحانيات أو في العالم الغربي الموصوف بالمادية، الإحساس بالغبن وفقدان الأمل في المستقبل، قاد ويمكن أن يقود فئات من الشباب إلى الانسياق بسهولة لدعاية "داعش"، المتماهية تقنيًا وحتى ذوقيًا مع ثقافتهم، ثقافة الصور عالية الجودة وألعاب الفيديو الدموية

    الخطر الحقيقي "لداعش" هو قدرتها على المزاوجة بين الثقافة القروسطية التي تبشر بها، وتمكن أفرادها من وسائل تقنية ودعائية مُتطورة جدًا، حيث أن المشكل ليس في القضاء عليها عسكريًا، بل أساسًا مُحاربتها فكريًا ودعائيًا، في عالم افتراضي أصبح من العسير جدًا السيطرة عليه. 

    الكيخوتي
    12 فيفري 2015
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: فيديوهات داعش... دعاية التباهي بالقتل Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى