• اخر الاخبار

    قراءة في المواجهات الأخيرة بشارع الحبيب بورقيبة، و فـُرص تجاوز الأزمة

    صورة من المواجهات بشارع الحبيب بورقيبة_25 فيفري 2011

    تجددت الأسبوع الماضي في تونس الاعتصامات و المظاهرات، التي كانت في أحيان عديدة تتم بصفة منظمة و راقية جدًا، خصوصًا الاعتصام المركزي في هذه الأحداث، ألا و هو اعتصام القصبة الذي يتم في إطار مُنظم جدًا و على درجة كبيرة من الوعي، درجة بلغت أوجها يوم الجمعة 25 فيفري 2011، عندما أجتمع عشرات الآلاف من الأشخاص من كل الفئات العمرية و الاجتماعية، في جو احتفالي راقي عبروا من خلاله على آرائهم و مواقفهم السياسية بكل سلمية.


    عندما أجتمع هذا الحشد الكبير لم يكن يفكر أي شخص أن نهاية ذلك اليوم ستشهد صدامات مع الشرطة، و سقوط عدد من القتلى، بل أن العديد من المتظاهرين كانوا يتجاذبون أطراف الحديث مع بعض أفراد الشرطة و الجيش. كان الجميع يتحدث عن أن قمع المعتصمين سيكون ضربة قاضية لحكومة الغنوشي، و فكر الجميع أنهُ ليس بهذا الغباء ليقوم بمثل هذا الفعل، و هو ما جعلهم في حالة من الاطمئنان، اطمئنان أكدتهُ قوات الشراطة الحاضرة على عين المكان و التي كانت أعدادها محدودة جدًا، من جهة أخرى فأن غياب الاحتكاك المباشر بهذه القوات، و وقفة المنظمين الرائعة خفضت بصفة كبيرة من التوتر، فكان التعبير عن الرأي بطريقة حضارية، تغيب عنها أي مظاهر العنف.


    إذن و إذا كانت الأمور على هذه الدرجة من التنظيم بالقصبة، و إذا كانت حالة الاحتقان غائبة، فلماذا تحولت المسيرة في شارع الحبيب بورقيبة إلى أحداث شغب و عنف؟


    رُبما أجابت العديد من الأطراف و الصور و الفيديوات عن هذا السؤال، بأن مجموعات من المُندسين هي التي أججت الموقف بين المُتظاهرين و عناصر الأمن، و هو أمر يكاد يكون مؤكدًا من خلال تتالي الشهادات و بعض الصور و الفيديوات، لكن ذلك لا ينفي انخراط عدد هام من المتظاهرين في هذه الأحداث، و هو أمر يمكن تفسيرهُ بحالة الغضب و السخط الشديد التي لازال يحملهُ المواطن على هذا السلك، فلماذا هذا السخط؟


    ـ بدايةً لأن علاقة المواطن التونسي بالشرطي قائمة و منذ 23 سنة على مشروع عداوة، عداوة خلقتها سلطة الشرطي المطلقة على المواطن الذي كان لاحول لهُ و لا قوة، فكانت كل زيارة للمراكز الأمنية، حتى لو كان سببها قضاء بعض الأمور الإدارية بمثابة كابوس أو مغامرة تتسارع معها دقات القلب منذ أن يرحب بك عون الأمن المسؤول عن الاستقبال و هو يردُ تحيتك بـ "تفضل أش تحب؟"، و ربما هنا لن أطيل في تقديم هذه الممارسات التي خلقت لدى غالبية المواطنين التونسيين و حتى العاديين نوعًا من الشعور بالخوف و الكره تجاه هذا السلك.


    ـ ثانيًا و بالإضافة إلى طبيعة العلاقة بين رجل الأمن و المواطن منذ 23 سنة، فقد تضاعف سخط و غضب المواطنين على سلك الأمن خلال أحداث ثورة الكرامة، فقد شاهد الجميع شهادات سكان تالة و القصرين و سيدي بوزيد و غيرها من المناطق حول القمع و الترويع الذي تعرض لهُ هؤلاء من قبل قوات الأمن، و صل إلى حد اقتحام المنازل و الاعتداء اللفظي و المادي على المواطنين العزل من رجال و نساء و حتى عجائز.


    ـ كذلك هذا السخط كما يقول البعض هو وليد الموقف غير المشرف، الذي أتخذه هذا السلك الذي بقي إلى أخر يوم من حياة الديكتاتور وفيًا لهُ، ثم خرج أعضاءهُ بعد أيام في مظاهرات طافت أغلب مناطق الجمهورية يصيحون "أبرياء...أبرياء من دماء الشهداء"، كما خرج بعضهم يبكي على شاشة التلفاز بحرقة لم يشك أحدٌ في صدقيتها، عندها اعتقد عدد كبير من المواطنين أن هذا السلك قد نزع عنهُ ثوب الديكتاتورية و لبس ثوب المواطنة الصادقة، لكن و للأسف الشديد و بعد أيام قليلة قام رجال الأمن بما أعتبرهُ عديدون أمر خطير جدًا يرقى لمستوى الخيانة العظمى للوطن، فبينما كانت تشهد تونس حالة خطيرة جدًا من الانفلات الأمني، تخلى هؤلاء بكل بساطة عن وظائفهم و سلاحهم، تاركين البلاد إلى المجرمين و قطاع الطريق لينهشوها كما شاءوا، معلنين الإضراب المفتوح حتى تتحقق جميع مطالبهم، و يا ترى ماذا كانت المطالب؟ كانت طلب زيادة في الشهرية، إلغاء الإدارة الوحيدة التي كانت تراقبهم، ثم إعادة جميع المعزولين، لماذا عُزل هؤلاء و ما هي الجرائم التي ارتكبوها؟ لا ندري.


    ـ كانت الاستجابة على عجل لمطالب المقتحمين لوزارة الداخلية، استجابة ولدت سخط كبير لدى المواطنين الذين شاهدوا في هذا الحدث تأكيدًا للرأي السائد بأن رجل الأمن فوق القانون، فالجميع كان ينتظر مُحاسبة المسؤولين عن التجاوزات التي وقعت خلال ثورة الكرامة، إلا أنهُ فوجئ بمكافأة أعوان الأمن، لتتالى فيما بعد الأحداث المؤكدة إلى أن شيئًا لم يتخير في هذا السلك: من طريقة التعامل مع الإعتصام الأول في القصبة، إلى التعامل الوحشي مع بعض المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة، إلى الاقتحام العنيف لأحدى المكاتب بنفس الشارع


    ـ كذلك فأن الإفلات من العقاب هو من أهم أسباب سخط المواطنين، فإلى اليوم لم يتم محاكمة و لو متهم واحد في قضية قتل المتظاهرين خلال ثورة الكرامة، كما لم يتم محاسبة المسؤولين الأمنيين في عهد بن علي، و الممارسين للتعذيب كما أكدت الأستاذة راضية النصراوي رئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب .


    هذه هي إذن أهم أسباب سخط المواطن على رجل الأمن، سخط يجعل كل احتكاك، و الذي يكون في الغالب في المظاهرات فرصة للتصعيد، أو التنفيس عن حالة الغضب. كما أن تعامل رجل الأمن في هذه الاحتكاكات كثيرًا ما يكون سلبيًا و مُصعدًا للموقف، ففي غالب الأحيان تكون ردة الفعل قوية جدًا، و هو ما يمكن مُلاحظتهُ مثلاً من خلال الاستعمال المُفرط للغاز المسيل للدموع، كما أن ردة الفعل هذه تتحول غالبًا إلى مسألة شخصية، فقد صرح عدد من أعوان الشرطة بأن المُتظاهرين هم من يستفزونهم من خلال سبهم و شتمهم المُتكرر، فتكون ردة الفعل هكذا قوية و انفعالية، يغيب عنها مفهوم رجل الأمن المُحترف.


    إذن و إذا كنا قد تطرقنا في العنصر السابق إلى أحدى أهم جوانب تحول المظاهرات السلمية إلى أعمال عُنف و شغب، من خلال تطرقنا إلى طبيعة العلاقة بين المواطن و رجل الأمن، فأن ذلك فقط لا يفسر حالة الفوضى و الانفلات الذي أعقب عدد من المُظاهرات.
    لئن كانت الحرية أمرًا ضروريًا في حياة الشعوب، و حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، فأن النظام كذلك هو من أهم أُسس الديمقراطية، من هنا فأن حالة الفوضى تؤدي بالضرورة إلى غياب الحرية، حالة الفوضى هذه التي عشناها و لازلنا نعيشها من خلال حملات النهب و السرقة و الاعتداء على الممتلكات العمومية، يبدأ بها في الغالب عدد من المُجرمين أو المأجورين من "جرذان الأرض"، ثم يلتحق بهم عدد من المُراهقين، و حتى المواطنين العاديين.


    يتم في الغالب نسب أشاعت الفوضى إلى المُندسين، و هو أمر صحيح و مؤكد، لكن ذلك لا ينفي مشاركة بعض الأشخاص العاديين في هذه الأعمال و هو ما يمكن ملاحظتهُ من خلال بعض الفيديوات، هذا الأمر يجعلنا نتساءل عن أسباب غياب النظام و حضور الفوضى


    إن الأمر المؤكد أن نظام بن علي أستطاع السيطرة على التونسيين و بالتالي فرض النظام من خلال الخوف: الخوف من رجل الأمن، الخوف من عضو الشعبة، الخوف من الطرد من العمل، الخوف من عدم الحصول على رخصة بناء...، حاجز الخوف هذا كُسر فأصبح صوت الطلقات النارية أمرًا عاديًا بعد أن كنا لا نكاد نسمعهُ، كُسر كما تؤكد الشعارات التي يرفعها المُتظاهرون: "غاز...كرتوش..التوانسة ما يخافوش"، إذن و بإنكسار حاجز الخوف أنخرم نظام بن علي، كما أنخرم النظام الذي كان مبنيًا عليه الاجتماع في تونس، خصوصًا أمام السقوط الحر لهيبة الدولة مُمثلة في وزارة الداخلية التي لم تعد قادرة حتى على حماية مقرها كما تظهر بعض الصور، و هو أمر غير مقبول، و يطرح تساؤلات عديدة.


    إذن و أمام سقوط وازع الخوف الذي كان ينبني عليه المجتمع، فأنهُ من الضروري اليوم وجود وازع أخر يكبح جماح الرغبات الفردية، إذا لم نقل العدوانية، هذا الوازع الذي نجدهُ في المجتمعات الديمقراطية في شكل القانون.


    لكن من جهة أخرى فأن التأسيس لمجتمع قائم على الوازع القانوني يتطلب فترة من الوقت، و هو الأمر الذي يجعل فرض النظام في الفترة الحالية في تونس أمرًا صعبًا جدًا و لكنهُ ليس مستحيل، و رهين كما أرى النقاط التالية:


    ـ بدايةً يجب أن تتمتع السلطة السياسية بأكبر قدر من الإجماع الوطني كي تكون قراراتها أكثر فاعلية و نجاعة


    ـ ثانيًا على وزارة الداخلية أن تقوم بخطوات عاجلة و سريعة لإعادة الثقة مع المواطن:
    ـ فرض النظام داخل الوزارة
    ـ محاسبة و عزل كل من ثبت إدانتهُ
    ـ الإسراع برسكلة الأعوان حسب المعايير الدولية
    ـ التواصل أكثر مع المواطنين


    من هنا و إذا توفر هذين الشرطين أي سلطة سياسية شرعية و قوية، بالإضافة إلى مصالحة بين سلك الأمن و المواطن، يمكن أن تسترد الدولة هيبتها، و بالتالي يُصبح ممكنًا تننظيم المجتمع على أساس الوازع القانوني


    2011/02/27
    الكيخوتي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: قراءة في المواجهات الأخيرة بشارع الحبيب بورقيبة، و فـُرص تجاوز الأزمة Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى