• اخر الاخبار

    تقديم عام حول الموريسكيين في تونس

     حسام الدين شاشية
    تحتل الأندلس في المخيال الشعبي و حتى في الدراسات الأكاديمية مكانة خاصة تعود ربما إلى الأطوار التاريخية التي مرت بها هذه المنطقة
    منذ فتحها عن طريق طارق بن زياد سنة 710م، و إلى ما عرفته من ازدهار حضاري في ظل الدولة الأموية بالأندلس التي أسسها عبد الرحمان الداخل سنة749م وتواصلت إلى1008م، لتنفتح بعد ذلك مرحلة من عدم الاستقرار و التراجع و التي عرفت بعصر الطوائف حيث انقسمت الأندلس إلى21مملكة في تناحر مستمر بينها، ولينتهي بذلك التوازن الذي كان قائمًا بين الممالك المسيحية ونظيراتها المسلمة، و إن أوقف التدخُل المرابطي سنة1091م الزحف المسيحي إلى حين فأنه لم يستطع مجابهته طويلاً لتكون خاتمة مسار هذا التراجع، سقوط غرناطة سنة 1492م، ليعلن هذا التاريخ رسميًا نهاية دولة الإسلام بالأندلس.
    بعد سقوط غرناطة عاش المسلمون مرحلة صعبة جدًا في ظل سياسة التنصير القسري التي أتبعتها الدولة الأسبانية تجاههم معتمدةً عل رجال الدين المسيحيين و محاكم التفتيش التي عملت على التنكيل بآلاف الأندلسيين الذين حكم عليهم بالسجن و الجلد و التغريم، أو الاسترقاق و التهجير أو حتى الحرق أمام الملأ(1).
    كل هذه الظروف جعلت الأندلسيين يثورون في عديد المرات و لكن عادة كانت هذه الثورات تنتهي بالفشل ويقتل القائمون بها بطريقة وحشية (2)، وبقيت هذه الحال طيلة 100سنة تقريبًا، و أمام إصرار الأندلسيين على مقاومة عملية التنصير و اتهامهم من قبل الأسبان بالخيانة والتأمر على البلاد مع العثمانيين(3)، وفي إطار محاولة فيليب الثالث التغطية على هزائمه أمام الهولنديين و الأنقليز و الفرنسيين (4)، وتجاوز الصعوبات الاقتصادية و المالية للدولة، أصدر قرار الطرد المؤرخ في9 أفريل 1609(5).و وُجه الأندلسيين تحت تهديد السلاح إلى موانئ الترحيل خصوصًا مرافئ بلنسية و أليكانت و دانية و قرطاجنة ومالقة و جبل طارق و طرطوشة، ورغم تعدد موانئ التهجير فإن هذه العملية تواصلت طيلة 5 أشهر و تواصلت بالنسبة لموريسكي قشتالة وبطليوس و لامنتسا حتى سنة 1612، أما أخر خروج ضخم نسبيًا فقد كان من نصيب 2500أندلسييًا من سفح رقوطة وذلك سنة 1616(1).
    أما عن ظروف انتقالهم إلى تونس فيؤكدُ "ميكال دي ايبالثا" من خلال أرشيف القنصلية الفرنسية بتونس أن الموريسكيين عانوا أثناء انتقالهم على يد ربابنة السفن الفرنسية التي كان قد اكتراها أثرياء الأندلسيين، فقد كان هؤلاء الربابنة يلقونهم في البحر لمضاعفة عدد السفرات و الأجرات، أو يقومون بنهبهم ومن ذلك القضية التي عرفت في المحاكم الفرنسية بقضية "استيان"، إذ استولى هذا القبطان على ممتلكات الموريسكيين و أنزلهم في شاطئ فارغ قرب بنزرت في 8 جانفي 1610، وبعد شهر قام المنهوبون بتقديم شكوى إلى محكمة "مونبيليا" التي أصدرت حكمها القاضي بإعدام القبطان و حجز سفينته و ممتلكاته لتعويض الخسائر التي سببها للموريسكيين(2).
    رغم هذه الظروف الصعبة التي واجهها الأندلسيون فأن كثيرًا منهم خيروا الانتقال إلى تونس وهو ما تؤكده المصادر فهاهو الحجري يقول:"بلغ نهاية جميع الأندلس بصغارهم لثمان مائة ألف مخلوق، أكثرهم خرج بتونس"(3)، وهو ما يؤكده كذلك المقري:"فخرجت ألوف بفاس و ألوف بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس"(4)، أيضًا يقول ابن أبي دينار:"وفي هذه السنة(1610) و التي تليها جاءت الأندلس من بلاد النصارى نفاهم صاحب اسبانيا و كانوا خلقًا كثيرًا"(5)، وعلى نفس هذا النهج سارت المصادر الأسبانية إذ اعتبرت تونس البلد الذي استقبل أكبر عدد من الموريسكيين(6).و أن تجمع غالبية المصادر عربية كانت أو غربية على أن غالبية المهاجرين خيروا تونس فإنهم لا يتفقون حول عدد هؤلاء، كما يؤكد "تريفور" فإلى اليوم مازال عدد الموريسكيين الذين استقروا بتونس محل أخذ و رد(7)، ولكن العدد الأقرب و الذي يتفق عليه غالبية المؤرخين هو أن عدد المهاجرين إلى تونس كان ما يقارب 80ألف مهجر وهو الرقم الذي ذهب له كل من ميكال دي ايبالثا الذي أكد أن توجه الموريسكيين إلى المغرب والجزائر كان في مجموعات صغيرة في حين كان بأعداد ضخمة إلى تونس بلغ نحو 80ألف موريسكي(1)، وحسن حسني عبد الوهاب(2)، و"انطونيو دومنقاث" الذين قدرا عدد الأندلسيين المطرودين ب 300ألف أي ما يقارب 4بالمائة من سكان اسبانيا خير منهم 80ألف تونس(3)
    أي الربع تقريبًا. في حين يرى "جون لاتام" أن هذا الرقم مبالغ فيه و يستنتج من تصريح القبطان الأنقليزي "روبارت أليات" و الذي قال فيه أن عدد الموريسكيين بلغ بتونس سنة 1615 حوالي 8000عائلة أي أن العدد الإجمالي لهؤلاء هو 50ألف موريسكي(بمعدل 6 أفراد في كل عائلة)(4).
    إن ما يمكن أن نستنتجه من هنا أن الرقم سواءً كان 80ألف أو 50ألف خيروا التوجه إلى تونس فأنه يبقى رقمًا هامًا يجعلنا نتساءل عن أسباب هذا الاختيار؟رغم القرب الجغرافي للمغرب و الجزائر من الأندلس فإن المهجرين كما لاحظنا سابقًا خيروا في غالبيتهم تونس نظرًا للاستقبال غير الجيد الذي قوبلوا به في كلا البلدين، فأغلبية الرواة الغربيين و المغاربة في تلك الفترة أجمعوا على أن بعض المدن و الموانئ المغربية قد أساءت استقبال الموريسكيين حيث قام البدو بسلبهم وقتلهم(5)، وهو ما يذهب إليه المقري بقوله:"وخرجت ألوف بفاس و ألوف بتلمسان من وهران...فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله في الطرقات و نهبوا أموالهم"(6)، هذه المعاملة السيئة لم تقتصر فقط على الأعراب بل تجاوزتهم للأتراك ففي الجزائر بعد و صول الموريسكيين بقليل حل جفاف خطير فحُملُوا مسؤوليته بإعتبارهم مسلمين غير صادقين فصدر أمر من عميد الشرطة
    التركي يقضي بطردهم من العاصمة في ظرف 3 أيام، وطبق القرار بصرامة كبيرة حتى أن المرضى و الفقراء الذين لم يستطيعوا الخروج قتلوا عنوةً(1).
    ويفسر عبد الجليل التميمي هذا الموقف من الموريسكيين ليس فقط نتيجة لإعتبارهم مسيحيين أو مسلمين غير صادقين بل كذلك نتيجة لمظاهر الثراء البادية عليهم التي جعلتهم مطمعًا للصوص وقطاع الطرق.
    إذن من هنا يمكننا القول أن المعاملة السيئة التي لقيها الأندلسيون في المغرب و الجزائر هي التي جعلتهم يتوجهون إلى تونس، فكيف كان موقف السلطات الرسمية و الأهالي تجاه مقدم هؤلاء؟
    تجمع غالبية المصادر على الآن الأندلسيين لقوا معاملة جيدة من السلطات التركية المحلية التي شجعت هذه الهجرة(2)، وهو ما تؤكده كل المصادر التونسية تقريبًا فهاهو أبن أبي دينار في مؤنسه يقول:"وفي هذه السنة(1608) والتي تليها جاءت الأندلس...فكانوا خلقًا كثيرًا فأوسع لهم عثمان داي في البلاد و فرق ضعفائهم على الناس و أذن لهم أن يعمروا حيثُ شاءوا"(3)، كما يقول الوزير السراج في حلله:"وفي سنة ولايته(عثمان داي) والتي تليها قدم أهل الأندلس...فأوسع لهم وجبر قلوبهم وأذن لهم في أنشاء بلدان"(4)، وهو ما ذهب إليه كذلك ابن الضياف:"قدمت وفود الأندلس فارين بدينهم...فأحسن عثمان داي قراهم و أنس غربتهم وعظم مقدمهم...وأقطعهم ما أختاروا من الأرض(5).
    و تظهر هذه المعاملة الحسنة من قبل عثمان داي تجاه هؤلاء القادمين في الإجراءات التي أتخذها لفائدتهم فقد:
    - أعفاهم من ضريبة الدخول في الموانئ والتي قدرت ب100إيكوس على كل سفينة
    - أعفاهم من الضرائب لمدة 3 سنوات
    - مدهم بالبذور للزراعة-
    سمح لهم بإقامة نظام قضائي خاص بهم غير خاضع للقضاء التركي-العثماني
    -أعطاهم وسائل الدفاع عن أنفسهم(1)
    تمامًا مثل السلطة الرسمية إستقبل الأهالي بقيادة الولي الشهير سيدي أبي الغيث القشاش الأندلسيين بحفاوة(2) فقد كان "يعطيهم في كل يوم نحو 150قرصة من الخبز صدقة"(3)، وهو ما يؤكده أيضًا المنتصر القفصي بقوله:"ولما جاء الأندلس إلى تونس ضاقت بهم المحاجج و الطرقات والأسواق و المساجد...و صاروا يأتون إلى الشيخ (القشاش) و إلى سماطه وجرى معهم كالريح المرسلة في إطعام و كسوة العريان"(4)، وهو ما يعترف به الأندلسيون أنفسهم فهاهو نص لموريسكي من المهجرين يشيدُ فيه بأبي الغيث القشاش و الحماية التي قدمها لهم و التي تواصلت حتى بعد موته بحيث أنهم استفادوا من شهرته و ما عرف عنه من حماية لهم و خصوصًا إفتائه بالسماح لهم بأداء الصلاة بالأسبانية وترجمة بعض الكتب الدينية إليها(5)، إذ أن غالبية الموريسكيين الذين استقبلتهم تونس كانوا من القشتاليين و الأرجونيين(6) أي الفئة الأقل تعريبًا و المشبعة باللغة الأسبانية على عكس الفالنسيين الذين هاجر أغلبهم إلى المغرب والجزائر(7).كما يقول هذا الموريسكي في موضع أخر"خرجنا في سفن وقوارب مع أبنائنا ونسائنا إلى أرض الإسلام أين انتظرنا عثمان داي ملك تونس المتعالي لكنه بالنسبة لنا كان كالحمل الوديع... وسيدي بلغيث القشاش الولي الطاهر ومسلمين آخرين..."(8).
    إذن ورغم هذا الاستقبال الحسن الذي لقيه المهجرون فقد أدرك عثمان داي بعد أن غصت الحاضرة بهم أنه عليه تصنيفهم و توزيعهم على جهات البلاد فكان تصنيفهم وتوزيعهم كالأتي:
    -الطبقة الأولى: تضم الأغنياء، النخبة، الأعيان و قد أسكنهم الحاضرة في أماكن خاصة بهم كحومةالأندلس، شارع الأندلس و زقاق الأندلس في المدينة العتيقة.
    -الطبقة الثانية: وتضم صغار التجار و الصناعيين سكنوا في أحواز الحاضرة في مدن مستحدثة أو تم توسعتها كأريانة و الجديدة وطبربة... وقد اشتغلت هذه الطبقة بصناعة الشاشية(ربما بإحدى مراحل هذه الصناعة) و الصناعات الحرفية عمومًا.-الطبقة الثالثة: وتضم سكان الأرياف الأندلسية و التي يعتقدُ أنها الطبقة الأكثر عددًا وقد أسكنها الداي المناطق الفلاحية الشمالية الأكثر خصوبةً على نهر واد مجردة، كما سكنت مجموعات أخرى في مناطق قديمة كانت مستعمرات رومانية كمجاز الباب و تستور والسلوقية، قلعة الأندلس، في حين أسكن آخرون في منطقة الوطن القبلي كسليمان، قرمبالية، نيانو و بلي_أنظر الخريطة المصاحبة
    إذن و مما سبق يمكننا القول أن الأندلسيين استفادوا خلال السنوات الأولى من قدومهم بدعم مادي و أخلاقي و ديني(1) وأن الإجراءات الاستثنائية المتخذة لفائدتهم وفرت لهم الراحة و الأمن الداخلي ليضعوا مُختلف معارفهم لفائدة مُحيطهم و كذلك لفائدة الإيالة(2)، لكن تجدُر الإشارة إلى أنه مع تولي يوسف داي الحكم في أوت 1612 تغيرت الأحوال فقد فرض هذا الأخير نظام ضرائب جديد، ولم يجبر الأندلسيين فقط على دفع الضرائب التي أعفاها منهم عثمان داي بل أجبرهم أيضًا على دفع ضرائب إضافية(3) و يعتبر عبد الجليل التميمي أن هذا الموقف كان نتيجة طبيعية للثراء الواضح الذي أضحى عليه الموريسكيون في فترة وجيزة(أقل من 3سنوات)(4)، وهو ما ولد أيضًا حسدًا لدى الأهالي، كل هذا جعلهم يراسلون الباب العالي ليتدخل لفائدتهم و على ضوئه أصدر فرمان9 سبتمبر1615 والذي يطالبُ فيه الحاكم يوسف داي برفع هذا الظلم(5).إذن رغم هذه الظروف الصعبة التي واجهها الأندلسيون في بعض الفترات و خاصة في بداية استقرارهم فأن توافدهم إلى الإيالة التونسية ضخ دماءً جديدة خاصة بعد السنوات الصعبة التي عرفتها البلاد و التي تبدأ بالحروب الداخلية و الصراع الدائم على السلطة ولا تنتهي بالحملات الصليبية و التدخل الإسباني، فقد أعطوا انطلاقة جديدة للفلاحة والصناعة و المعمار و كان تأثيرهم واضحًا في الحياة الفكرية و الحركة الاقتصادية(6) وهو ما يؤكده ابن أبي الضياف بقوله: "فاستأنفت المملكة عمرانًا وثروةً بورود هؤلاء الأندلس من هنا يظهر الدور الهام جدًا التي لعبتهُ الطائفة الأندلسية في تاريخ تونس الحديثة
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: تقديم عام حول الموريسكيين في تونس Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى