• اخر الاخبار

    حزب سياسي ذو توجه إسلامي، أم حزب إسلامي ذو توجه سياسي؟


    تعيش تونس هذه الأيام حركة سياسية و فكرية كبيرة، حركة لم نتعود عليها و على صراعاتها و ضجيجها، لم نتعود على صخب السياسيين، و آراء فكرية حقيقية تهتم بالشأن العام بمختلف أوجهه السياسية، الاجتماعية و الاقتصادية.

    و لعل ما يميز هذه الحركة هو أنها شاملة تجاوزت الملتقيات الضيقة، و غادرت أعمدة الصحف و المنابر الإعلامية إلى الفضاء العائلي و الحميم، أين احتدم الحوار بين الزوج و زوجته، و الأب و أبنه و الصديق و صديقته...حول القضايا السياسية و الفكرية المُختلفة.

    و لئن كانت هذه الحركة ظاهرة صحية و طبيعية، ضرورةً مر و سيمُر بها أي مُجتمع يعيش في مرحلة الانتقال الديمقراطي، فأنها كشفت عن أزمة حقيقية في مستوى طُرق الحوار و التواصل بين مختلف الأطراف، فمن خلال الاجتماعات و الملتقيات التي حضرتها بعد 14 جانفي، أو من خلال البرامج التلفزية و الإذاعية، أو حتى في الإطار العائلي الضيق يمكن القول أن "المحاور التونسي" مريض بعقدة "الإنفراد بالكلمة"، فمثلاً في أحد الاجتماعات تحدث أحدهم عن أهمية التداول على الحكم و الديمقراطية، في حين أنهُ استولى على الكلمة، و ظل لفترة طويلة مُحتكرًا لها، عندها تساءلت كيف يمكن لمن لا يقبل التداول على الكلمة أن يتحدث عن التداول على السلطة؟

    و في نفس الإطار فأن جميع الأطراف ترفع شعار الديمقراطية و الرأي و الرأي المخالف، في حين أنها و في أول امتحان حقيقي تكشف عن ديكتاتوريتها، و من هنا أصل إلى السبب الفعلي الذي دفعني اليوم إلى أخذ الكلمة في الساحة العامة،هذه الساحة التي تشهد صراع، لا يمكنني إلى حد الآن أن أعتبرهُ فكريًا بأتم معنى الكلمة، بين العلمانية و التيار الإسلامي.في الحقيقة أنا من الجيل الذي لم يعرف التيار الإسلامي في عموميته، إلا من خلال الخطاب الرسمي، الذي صور هؤلاء على أنهم مجموعة من المُتطرفين الظلاميين، أو من خلال ما كانت تبثهُ قناة الجزيرة من مقابلات مع الشيخ راشد الغنوشي، و بطبيعة الحال كنت أسمع ككل التونسيين عن ما تعرضوا لهُ من تعذيب و إقصاء


    أما عن طبيعة فكرهم و منهجهم السياسي فالأمور لازالت ضبابية في ذهني، و كما أظن في أذهانهم، من هنا استغليت فرصة اجتماع عام لحركة النهضة، يلقي خلالها أحد أعضاء المكتب التنفيذي مُحاضرة، لمزيد التعرف على برنامجهم السياسي.


    ذهبت و في ذهني أني سأحضر كما حضرت في اجتماعات العديد من الأحزاب الأخرى ندوة سياسية، فإذا بالسيد المُحاضر يلقي بخطبة، خُطبة مليئة بالأخطاء التاريخية، ذكرتني في أحد المرات بــ"ديمقراطية" القذافي الذي جعل أصل الكلمة عربية "ديمو كراسي"، فهو يقول أن أول دستور في العالم أصلهُ أسلامي عربي، فهل كان حمورابي مُسلمًا؟ رُبما، كما يجعل الشيخ عبد العزيز الثعالبي و من خلال إنشاءه "الحزب الحر الدستوري" سنة 1920 أول المُناضلين و المقاومين للاستعمار الفرنسي في تونس، فأين ذهبت "حركة الشباب التونسي"، التي تأسست سنة 1907 و أين ذهب علي باش حامبة وبشير صفر وعبد الجليل الزاوش و غيرهم؟ لا أدري


    كما ذكرني خطاب السيد المُحاضر بلغة تجمُعية قحة، فبين الحزب المؤتمن على الإصلاح و الحركة المؤتمنة على الثورة و على الأمة لا يوجد فرق كبير.


    كثير من المُغالطات المُؤسفة، التي تجعل العلمانية رديفًا دائمًا للإلحاد و التغريب، و أن العلمانيين لو فازوا في الانتخابات سيمنعون حتى كلمة "بسم الله الرحمان الرحيم"، هنا لا أعرف هل هذه مُغالطة مقصودة أم هي عن جهل، فإذا كان هذا الخطاب يُمكن أن يُقبل من بعض جهابذة الفايسبوك الذين لا يرون أبعد من صفحاته، و الذين تقوم مُشاركتهم على "قُص-لصق"، فأنهُ غير مقبول في نظري من أحد أعضاء المكتب التنفيذي لحركة ذات تاريخ طويل، و عاش عدد هام من أعضائها و لازال يعيش في ظل أنظمة علمانية بأمتياز، فهل مُنعوا من مُمارسة عقيدتهم في بريطانيا أو فرنسا أو غيرها من بُلدان هذا الغرب الشيطاني، أم أنهم وجدوا فيها الملجأ عندما قسى عليهم و عذبهم أبناء وطنهم؟


    الغريب أن هذا الخطاب القائم على التخويف أو ما أسميتهُ في مقال سابق "بفكر الفزاعة"، هو نفس الخطاب الذي أستعملهُ النظام السابق (و لازال يستعملهُ البعض)، لقمع هذا التيار، و تغذية البروبغندا الإعلامية المُضادة لهُ، فإذا بالسيد المُحاضر يتبنى نفس الطريقة، فلا يكُف عن الحديث عن مؤمرات الغرب، الصهيونية و الماسونية الشيطانية...ثم يختم في هذا الجانب بتحذير جاد بأن مصير الحركة رهين بفوزها في انتخابات المجلس التأسيسي.



    كذلك في نفس الإطار و غير بعيد عن نفس الفكر "فكر الفزاعة"، نُلاحظُ هذه الأيام بروز أو تكثف "الفكر التكفيري"، و هو ما نلاحظهُ على صفحات الفايسبوك من تهديد و تكفير، مس العديد من الأشخاص، أو من خلال الاعتداء على بعض المُظاهرات السلمية و المراكز الثقافية، و التي لا أتهمُ فيها أي تيار، في انتظار صدور بيانات تنديد من هذه التيارت، كما نددنا سابقًا بالحملات التي كانت تتعرض لها المُحجبات و الهرسلة الأمنية للمُصلين

    إذن انتظرتُ و انتظرتُ خطاباً سياسيًا، فلم يأتي، و حتى ما قُدم على أنهُ برنامج سياسي، حضرت فيه السياسة بالغياب، فمن أهداف الحركة تحقيق الحرية، لكنها حرية تحترم الدولة الإسلامية، و الديمقراطية، لكنها ديمقراطية الأغلبية، و بين الحرية و الديمقراطية أسقطت "لكن" كُل شيء.


    "مرجعيتنا الأساسية هي الإسلام فالإسلام هو الحل و القرآن دستورنا"، يقول المُحاضر، حسننًا نحن مُتفقون "الإسلام هو الحل"، لكن أي إسلام؟ فالاجتهادات مُختلفة و مُتعددة، و المسافات الاجتهادية أصبحت كبيرة و شاسعة، شساعة المسافة الفاصلة بين تركيا و أفغانستان، و بين فكر القاعدة و فكر العدالة و التنمية التركي يُوجد سنوات ضوئية.


    لم يستطع السيد المُحاضر تقديم برنامج الحركة السياسي، -أن وُجد- بالطريقة المُلائمة و الشافية، الذي منحتهُ على أساسها وزارة الداخلية تأشيرة العمل السياسي (و هنا أؤكدُ على السياسي)، لكنهُ كان واضحًا جدًا، و بطريقة صادمة، في تقديم كيفية العمل لاستقطاب الأتباع و كسب أصوات الناخبين، و هي غاية مشروعة لأي حزب، لكن الغاية لا تُبرر الوسيلة، و رُبما تكون الوسيلة أهم من الغاية، وسيلة حسب المُحاضر تقوم على محورين:

    - استغلال الجوامع في استقطاب الأتباع
    - تكوين الجمعيات و المنظمات الخيرية

    إذن و إذا كان المنطلق الديمقراطي يرفض من الأساس هذا التوجه، فأننا يمكن أن نفهم من خلال هذا المُحاضر أن بيوت الله، التي من المُفترض أنها مكان عبادة ستصبح مركز استقطاب وجدال سياسي، جدال من المؤكد أنهُ و كما أرى سيمُس بقدسية المكان.
     هنا يجبُ الوقوف على حدود الفضاء السياسي، فإذا كان صاحب هذه الدعوة يقبل أن يُمارس الإمام أو الداعية توجيهًا سياسيًا، فهل يقبل بأن يمارس المعلم أو الأستاذ على أبنائه نفس هذا التوجيه...؟

    أما الدعوة إلى النشاط الخيري، فهي على أي أساس تقوم؟ هل هذه هي المُهمة الأساسية للأحزاب؟ أم أنهُ توظيف غير بريء و غير أخلاقي للنشاط الاجتماعي-الخيري لتحقيق أهداف سياسية، و أنا أرى أنهُ لا يوجد أي فرق بين المال أو الرشوة السياسية، و هذه الطريقة.


    في الحقيقة كنتُ أنتظرُ خطاباً أكثر انفتاحاً، على الأقل في مُستوى خطاب الشيخ راشد الغنوشي و حمادي الجبالي، أم أن خطاب وسائل الإعلام يختلف عن الخطاب الموجه للهياكل القاعدية و الإجتماعات العامة؟  كُنتُ أنتظرُ أسلام حزب العدالة و التنمية في تركية، خطابًا أردغونيًا، فإذ به خطاب أقرب ما يكون إلى التحريري، التبليغي (و السيد قال صراحةً أنهم ساعون إلى إيجاد سبيل تحالف مع هذين التيارين)، كنتُ أنتظرُ خطاب حزب سياسي ذو توجه إسلامي، لا خطاب حزب إسلامي ذو توجه سياسي


    2011/03/14
    الكيخوتي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: حزب سياسي ذو توجه إسلامي، أم حزب إسلامي ذو توجه سياسي؟ Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى