• اخر الاخبار

    وجهات نظر حول التاريخ الثقافي

     
    لطفي عيسى
    يحضى التاريخ الثقافي بعناية متزايدة منذ عشريتين. ويتميّز بحركية كبيرة قياسا لبقية مجالات البحث التاريخية الأخرى فضلا عن حضور المؤرخين المنتسبين إليه على أكثر من واجهة معرفية. ويتسم تعريف هذا المجال البحثي حاضرا بالتنوع، حتى وإن بقي ووفقا لعبارة المؤرخ الفرنسي "ألان كوربان  " الرائقة ولمدة طويلة"دون تسمية قابل تاريخ الذهنيات الذي أضحى تاريخ التمثلات أو التاريخ الجديد بفرنسا، التاريخ المجهري بإيطاليا والتاريخ اليومي بألمانيا وثقافة الشعوب بسويسرية والدراسات الثقافية أو المنعرج الألسني أو التاريخ الثقافي الجديد بالمجال الأنكلو-أمريكي.  

     
    تشي جميع هذه التسميات كل على طريقتها بنظارة هذا المبحث وتأصله ضمن التقاليد المعرفية التاريخية المتفاوتة القدم. ويُعزى هذا الوضع إلى أسباب عدّة لعل أبرزها اختلاف أساليب التفكير، فلكل بلد مقارباته الخاصة التي لا يمكن للمعالجة التاريخية أن لا تتكيّف وفقا لخصوصياتها. غير أن المؤكد هو انخراط التاريخ الثقافي بشكل واعي ضمن معالجة تحيل على النماذج المنهجية للعلوم الاجتماعية وأساليب البحث الأنتروبولوجية في آن. فقد تأثّر المؤرخون الانكليز المختصّون في التاريخ الثقافي بالتقاليد الماركسية التي هيمنت على الخط المعرفي ذي التوجهات الاجتماعية لمنشّطي دورية "الماضي والحاضر Past and Present" التي تنشرها جامعة أكسفورد الانكليزية منذ سنة 1952 وخاصة بعد ظهور بحث Edward Palmer Thompson (1924 - 1993) حول الملابسات التاريخية المتصلة بنشأة الطبقة العمّالية الانكليزية The making of the English Working Class الصادر سنة 1963 والذي لم تتم ترجمته إلى الفرنسية إلا مع حلول سنة 1988، في حين تعود جذور التاريخ الثقافي بمجال اسكندينافيا إلى الأهمية التي أعارتها مجتمعاته إلى الثقافة المادية وأساليب العيش اليومي. وينبني التاريخ الثقافي بأستراليا على معارضة ربط التاريخ بدعاوى بناء الهوية الوطنية من خلال رفض التوجهات الرامية إلى حصر المقاربة التاريخية ضمن مجال مطبوع بقراءة وطنية غير خافية، مع عدم التهيب من مسائلة الماضي الاستعماري بتركيز تخصّص قائم الذات يُعرف بدراسات مرحلة ما بعد الاستعمار، فضلا عن تأثّره بالتوجهات الأنتروبولوجية وفقا للنهج الذي اعتمده كليفورد غيرتس Clifford Geertz (1926 - 2006) المدافع منذ صدور مؤلفه الموسوم بـ"المجتمعات التقليدية والدولة الحديثة Old societies new state" سنة 1963 عن ضرورة إعطاء الأولوية للأصول العرقية في تفسير الظواهر المتصلة بالاجتماع البشري، وكذا الأمر بالنسبة لمجال الدراسات العابرة للقومياتétudes transnationales التي تم التعويل على نماذجها المنهجية بغرض موقعة تاريخ أستراليا ضمن آفاق معرفية أوسع.
     
    أما في إيطاليا فقد خرج التاريخ المجهري وفي حدود سبعينات القرن الماضي ضمن البحوث التي أنجزها "كارلو غنزبورغ Carlo Ginzburg " و"جيوفاني ليفي Giovanni Levi " من جلباب أبحاث "فريديريكو شابو Federico Chabod" (1901 - 1960) الذي اهتم بالحضور الثقافي الاسباني بإيطاليا و"دلو كانتيموري Delio Cantimori" (1904 - 1966) الذي اهتم بتاريخ الخارجين عن المذهب الكاثوليكي بإيطاليا خلال القرن السادس عشر. في حين ازدهرت مباحث التاريخ الثقافي بالولايات المتحدة الأمريكية في غضون ستينات وسبعينات القرن الماضي ضمن سياق الحرب الفيتنامية، حيث تأثر المؤرخون الأمريكيون المنتسبون إلى ما عرف بالتاريخ الاجتماعي الجديد بالبحوث المنجزة من قبل منشطي مدرسة الحوليات، لما وجدوه ضمن عروضها من إجابات عن التساؤلات التي طبعت مباحث الدراسات التاريخية الثقافية، بينما لم يكن وفي المقابل تأثير تلك المباحث على الدراسات التاريخية الفرنسية وعلى البحث التاريخي كونيا أقل أهمية.
     
    ومهما يكن من أمر هذه التباينات، فإن ما يشكّل حاضرا مصدرا لوحدة التاريخ الثقافي هو طموح المنتسبين إليه في توسيع دائرة الاهتمام بالتاريخ المقارن وذلك من خلال تأسيس جمعية عالمية تُعنى بالتاريخ الثقافي منذ سنة 2008 وتدعى Internationl Society for Cultural History أو "الجمعية العالمية للتاريخ الثقافي" ونشر مجلة مختصّة في الغرض تعرف بــــ"مجلة التاريخ الثقافي Journal of Cultural History "، فضلا عن تشكّل هذه التوجهات التاريخية الثقافية ضمن مجال منهجي يقع على تماس المعرفتين الاجتماعية والأنتروبولوجية.
     
    تبدو المباحث التاريخية الثقافية حاضرا، أكثر التصاقا بالنظرة الخاصة للمؤرخ وبما يشغل عالمه الحميم إلى حد يستقيم معه الحديث عن حضور طابع شخصي في كتابة التاريخ، لذلك لا يمكن أن لا نعاود وإزاء الثراء الذي تُبين عنه المباحث في هذا التخصّص حاضرا طرح سؤال التعريف بهذا الحقل المعرفي، معوّلين في ذلك على مقولة واحد من كبار المختصين في التاريخ الثقافي الفرنسي ونقصد "روجي شارتي Roger Chartier" الذي شدّد على أن مرد صعوبة تعريف هذا المبحث هو "اندراجه ضمن تصورين متنافرين: فإما أن تُفهم الثقافة على كونها مجال للإنتاج وممارسة الأعمال الفكرية والإبداعية والجمالية، أو أن تُعرّف من وجهة نظر أنتروبولوجية تفتح على مختلف المعتقدات والطقوس والحكايات التي مكّنت كل مجموعة من اقتراح معنى محدَّدًا للعالم سواء على الصعيد الاجتماعي أو الطبيعي أو الماورائي أيضا".
     
    من المشروع التساؤل بعد استيفاء هذه العروض التعريفية المتصلة بتوضيح أبرز التوجهات التي تقود البحث في التاريخ الثقافي كونيا، عن مدى صحة القول بحضور المباحث المتصلة بمثل هذا التخصّص - بفرض حضورها طبعا – ضمن المشهد المعرفي التاريخي لجامعات المغارب عامة والجامعات التونسية تحديدا من خلال الحفر في مختلف المسائل التي لم يشملها التقصي تجاوزا للمبذول أو المتاح المعرفي تاريخيا؟
     
    ولئن بدت لنا تلك التوجهات منبثة ضمن العديد من المقترحات البحثية التاريخية أو الإنسانية والاجتماعية بشكل عام، فإنها تحتاج اليوم إلى إطار معرفي جامع لا يتهيب من طرح سؤال التاريخ الثقافي باعتباره مجال يتقصي الخصوصيات الثقافية لموروث مجتمعاتنا العربية عامة، والعمل على رصد طبيعة التساؤلات الكبرى التي بوسع ذلك التخصّص الإسهام في الإجابة عنها، وتوضيح السياقات التي يمكن له أن يشتغل عليها مستقبلا في حدود خصوصيات تلك المجالات المكانية والزمنية.
     
    وتحضرنا بهذا الصدد عدة إشكاليات لعل أبرزها صعوبة توافق التمثلات الغربية للمعرفة التاريخية مع خصوصيات المعالجة التاريخية "الشرقية"، وكذا مدى مطابقة ما يوسم بـ"الجنيالوجيا السوسيو- ثقافية لأوروبا la généalogie socioculturelle de l’Europe "، تلك التي شكّلت عمادة التحقيب الرباعي الغربي، مع واقع التاريخ الثقافي لمختلف مجتمعات الشرق بما في ذلك المجتمع التونسي طبعا.
     
    ويقتضي التدقيق في هذا الموضوع الإجابة عن جملة من التساؤلات نحتفظ من بينها خاصة بـــــ:
     -
    تحديد كيفية تمثّل العصور القديمة أو الكلاسيكية، وهي مراحل تاريخية شكّلت اختراعا غربيا لا يمكن العودة به إلى أبعد من موفى القرن الثامن عشر اصطبغ مضمونه وبعد أن طغت عليه محصلة المقاربات المنجزة حول الحضارتين الإغريقية والرومانية، بمدلول أوروبيو-مركزي غير خافي؟
     -
    التدقيق في العلاقة التي ربطت مع حلول القرن التاسع عشر ذائقة المسلمين عامة والتونسيين فيما يخصنا بالـمُحدث، والكيفية التي استنبطها هذا المجال في التعامل مع حقيقة التدحرج الحضاري الذي انتابه، والطريقة التي اعتمادها في مجابهة فقدانه لموقع الصدارة الذي أتاح له زمن مدّه الحضاري أن يلفّق وعلى غرار حضارة الغالب الأوروبي حاضرا قراءته الخاصة للتاريخ بمعناه الكوني ؟
     -
    إعادة التفكير في مدى مشروعية الحديث عن وجود "استثناء شرقي"، وهو تصوّر نسل عن اعتقاد فلاسفة التنوير خلال القرن الثامن عشر في تلازم منظومة الحكم بالمجالات الشرقية مع طباع الاستبداد والتسلط؟
     
    وفي انتظار حصول الإجابة عن مختلف هذه التساؤلات تواصل الحضارات الغربية وبدم بارد عملية طمس تاريخ غيرها توافقا مع ما نعته عالم الأناسة الانكليزي "جاك غودي Jack Goody" بـ"سرقة التاريخ أو كيفية فرض أوروبا لرواية ماضيها الخاص على بقية العالم Le vol de l’histoire : Comment l’Europe à imposé le récit de son passé sur le reste du monde "، وتتحتم جدولة الإشكاليات غير المطروقة والأسئلة غير المطروحة والأسباب الكامنة وراء منطق الصمت الذي يكتنف مثل تلك الملفات، إن على صعيد الأدوات المنهجية أو نماذج المقاربة والتحليل، أو على مستوى صعوبة البت في مضمونها الغائم الذي غالبا ما تمت الاستعاضة على تفحّصه بالانزلاق في منطق السجال العقيم والإثارة أو التهييج والمعالجة الفوقية التبسيطية المعتّمة عن المدلول الدقيق، الـمُتحفظة عن حقيقة اللَبس الذي يحف بأسلوب طرح العديد من المواضيع من خلال اللجوء غالبا إلى إلحاقها بسجل المحرمات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

     -
    تاريخ الحسّ والمحسوس:

     
    يشكل الحفر في هذه الأبعاد تحدّيا كبيرا لم يجازف المؤرخون العرب بتوسع الاشتغال عليه. ويشمل هذا النوع من الأبحاث تاريخ المرويات أو الحكايات الشعبية والمونوغرافيات العائلية المتقصّية لشبكات القرابة وأشكال التحصيل أو التكوين وسجل القيم الأخلاقية والمعتقدات ومدلول الخلافات الناشبة بين الأفراد والأساليب المعتمدة في فضها، تلك التي تعبر على قدرة الأفراد أو المجموعات على تجاوز العلاقات الأسرية والتكافل أو التضامن الجهوي أو القبلي والتوسع في الاحتكام إلى الأطر التعاقدية المستندة إلى القوانين. وينخرط مثل هذا الحفر في فهم صيرورة الانتقال من واقع المجتمعات الموسومة بالتقليد و"العتاقة" الذي تحيل عليه جميع البصمات الدالة عن حضور الإفراط في الحسّية والتمسك بالمحافظة والاستعاضة عن ذلك باعتناق قيم العقلانية والانخراط في الحداثة. ويشمل ذلك أيضا الاشتغال على المسكوت عنه أو ما صمت عنه الحياء على غرار تعرية آليات التهميش الـمُعبّر عن الإقصاء والدال عن الممانعة الاجتماعية، وذلك عبر عدم التهيب من فتح الملفات الحارقة المتصلة بعلاقة العنف تجاه النوع الاجتماعي وكيفية تعامل المجتمع مع الظواهر أو الممارسات المدانة اجتماعيا كالبغاء والتفضيل المثلي وتقريظ اللذة والإسراف في العبث، وجميعها ملفات لا مندوحة من معالجتها إذ ما رمنا حقيقة تشييد تاريخ للحس والأحاسيس.
     
    ويتوافق مثل هذا التوجه مع ما أنجزته العديد من المسارات البحثية المعلِمة لهذا التخصص داخل الجامعات الغربية على غرار تجربة مؤرخ الأحاسيس historien du sensible الفرنسي "ألان كوربان Alain Corbin" الذي تمكّن ومنذ أواخر سبعينات القرن الماضي من إنجاز عدة أبحاث اتصلت بالحفر في هذه المواضيع على غرار مؤلفاته حول "فتيات للزواج les Filles de noce " سنة 1978 و"النرجس والمستنقع Le miasme et la jonquille " سنة 1982 و"مجال الفراغ Le Territoire du vide " سنة 1988 و"قرية آكلي لحوم البشر Le Village des cannibales " سنة 1990 و"نواقيس الأرض Les Cloches de la terre " سنة 1994 و"الإنسان في البراري L’Homme dans le paysage " سنة 2001.
     
    ويأتي كتابه الموسوم بــــ "استعادة العالم المفقود لـــلووي فرنسوى بيناجو Le monde retrouvé de Louis-François Pinagot" الصادر سنة 1998، وهو بحث رفع من خلاله "كوربان" تحدي تجميع أدق البصمات التي خلفتها شخصية فاقدة لكل حيثية اجتماعية أخرجها اعتباطا من الأرشيف ومكّنه تعقب مسارها من إحداث انقلاب على جميع النماذج القديمة المعتمدة في مناهج البحث المتصلة بالتاريخ الاجتماعي. فقد نأى "كوربان" بنفسه عن مناهج التاريخ الكمي المعوّل على سلاسل الأرقام وفقا للتوجه التاريخي الذي نشّطه بعد الحرب العالمية الثانية فرناند بروديل وإرنست لابروس Fernand Braudel et Ernest la Brousse كما ابتعد عن المقاربات المجهرية التي تمثل طموحها في تشييد تاريخ "ملامس للقاعدة une histoire au ras du sol "، معبّرا بذلك عن شكّه في نجاعة العروض المنحازة للمجموعة أو تلك التي تفترض حضور أفراد استثنائيين، ومقترحا تحدّيا منهجيا تمثل في إعادة تركيب نظام التمثلات الذي أسعف بائسا لم يكن له وعلى حد عبارته الرائق "أن يجرؤ على سرقة قوته اليومي un Jean Valjean qui n’aurait jamais volé de pain" كي يعيد تركيب العالم الذي أحاط به، ويوضّح الدور الذي لعبته قيم المجتمع الذي انتسب إليه في تشكيل مسار حياته كفرد.
     
    وتفرض هذه المقاربة لتاريخ الأحاسيس نفسها كإطار منهجي متميز ضمن حقل التاريخ الثقافي، ويدور طموح المنتسبين إلى هذا المقترب حول الكشف ومن خارج أي تصوّر سيكولوجي مسقط عن الأسباب الموضوعية الكامنة وراء التصرفات التي أتاها الأفراد الذين سبقونا، وهي تصرّفات تقع عند تقاطع الأحاسيس والتمثلات المرتبطة بالمتخيل وبالحسّ الجماعي، لذلك يتعين على الباحث أن يولي أهمية بالغة لما يمكن العثور عليه من بصمات تسعف في توسيع مدلول الوثيقة دون الذهول عن مهمته الأساسية المتمثلة في إخضاع مختلف المصادر الأدبية أو الوثائق والحجج المستجلبة لمقاربة سياقية زمنية.

     -
    التاريخ الثقافي للأوساط الاجتماعية:

     
    أنجز منشطو هذا المقترب المعرفي المهتم بالتاريخ الثقافي للوسط الاجتماعي زحزحة منهجية تمثلت في الإعراض عن ثلاثة معوقات حالت دون التوغّل في فهم الظواهر الاجتماعية من زاوية ربطها بمدلولها الثقافي، وذلك من خلال وضع حد للاعتقاد في أولوية الفواصل الاجتماعية بـ"اعتبارها مؤهلة لتسهيل عملية فهم الاختلافات أو الفوارق الثقافية الفاصلة بين الأفراد كما الجماعات. يعكس هذا التخلي المسافة بين الممارسة البحثية المباشرة والمبادئ التي سمحت منذ ما لا يقل عن العشريتين أو الثلاثة بفهم طريقة اشتغال المنتسبين إلى مهنة التاريخ. فقد دعا أصحاب هذا المقترب إلى انجاز انتقال جوهري يسمح بإنجاز "تحوّل من دراسة التاريخ الاجتماعي للثقافة إلى البحث في التاريخ الثقافي للاجتماع de l’histoire sociale de la culture à l’histoire culturelle du social". كما ألحّوا على ضرورة الاهتمام بتاريخ إعادة التملّك histoire des réappropriations باعتباره تاريخا اجتماعيا يكشف عن الاستعمالات والتأويلات في مدلولها الأصلي الذي تضمنته الممارسات الخصوصية الحاضنة لتلك الاستعمالات.
     
    تأثرت مختلف هذه التوجهات المنهجية التي قادت البحوث المتصلة بالتاريخ الثقافي للأوساط الاجتماعي بالمقاربات المعرفية لـ"ميشال دي سرتو Michel de Certeau " وخاصة ضمن العروض التي صاغها في مؤلفه المنشور سنة 1980 والموسوم بـ"اختراع الحياة اليومية l’invention du quotidien"، وهي توجهات عولت على الانطلاق من الشفرات الناظمة للمعاش عوضا عن تحسّس مواقع الفئات الاجتماعية، وركزت النظر على مجالات متنوعة للتمييز تتصل بالاختلافات الجنسية والدينية والفوارق في التفكير والتصرّف أو السلوك بين الأجيال، مُولية اهتماما متزايدا بالإطار المادي وبطريقة تقبّل الخطاب الملفّق حوله، مما ساهم في رسم الأسس التي شُيّد عليها التاريخ الثقافي، كاشفة عن طبيعة الصرع بين التمثّلات، مُعربة عن حقيقة ما قاد "الاستراتيجيات الرمزية" وكيفية تدخلها في إرساء التراتبية بين الفئات الاجتماعية. كما عوّل هذا مقترح على العروض النظرية التي صاغها "بيير بورديو Pierre Bourdieu " و"ميشال فوكو Michel Foucault " و"نوربير إلياس Norbert Elias"، حتى وإن حرص أصحابه على البقاء أوفياء نقديا لميراث مدرسة الحوليات، مُساهمين بذلك في إعادة صياغة طريقة ارتباط عمليات فهم الآثار الأدبية كما التمثلات والممارسات بمدلول التقسيمات المتّصلة بعالم المجتمع، تساوقا مع اعتقادهم في توفّر ذلك الترابط على مدلول بنّاء.
     
    ويعتبر "روجي شارتي Roger Chartier" من أول المؤرخين الفرنسيين الذين اقترحوا تعريفا صريحا مُعلنا لمدلول التاريخ الثقافي. فقد وضّحت بحوثه المنشورة تباعا منذ نهاية سبعينات القرن الماضي ما أضحى يعرف بـــ"التاريخ الثقافي". وتواترت ضمن بحوثه الأعمال المـــُـفردة للتفكير في المنهج مع البحوث التطبيقية والأعمال المشتركة الجماعية، وهو ما دعّم دون شك مختلف مقترحاته المعرفيّة. فقد كان سنة 1975 واحد من أصغر المساهمين في ثلاثية "صياغة التاريخ Faire de l’histoire" التي أدارها كل من Jacques le Goff et Pierre Nora كما أشرف سنة 1978 بمعية "جاك لوغوف" على نشر مؤلف "التاريخ الجديد La Nouvelle histoire"، وتولى مع حلول سنة 1986 الإشراف على المجلد الثالث من موسوعة "تاريخ الحياة الشخصية L’Histoire de la vie privée"، معتنيا في غضون ذلك ومنذ سنة 1982 بإدارة موسوعة "تاريخ النشر الفرنسي Histoire de l’édition française" وذلك بمعية Henri-Jean Martin . ومع حلول سنة 1987 نشرت له تباعا "القراءات والقراء بفرنسا العهد القديم Lectures et lecteurs dans la France de l’Ancien Régime " و"استعمالات الطباعة Les Usages de l’imprimé " ثم سنة 1990 كتاب "الجذور الثقافية للثورة الفرنسية Les origines culturelles de la Révolution française".
     
    أكسبت مختلف هذه الأبحاث مقروئية واسعة وجاوز انتشارها إطار المختصين في دراسة التاريخ الحديث أو في تاريخ الطباعة وإصدار المنشورات. فقد درّس "شارتي" منذ 1975 بحامعة باريس الأولى السوربون Paris I Sorbonne-Panthéon ثم التحق بمدرسة الدراسات العليا لعلوم الاجتماع Ecole de Hautes Etudes en Sciences Sociales بباريس. وعاينت مسيرته نقلة نوعيّة عند أواسط الثمانينات من خلال الانتشار العلمي لأبحاثه، واطلاع الجامعات الأمريكية الشمالية عليها بعد نشر مجموعة من مقالاته باللغة الانجليزية تحت عنوان "التاريخ الثقافي : بين الممارسات والتمثلات Cultural History. Between Practices and Representations, Cambridge, Polity Press-Cornell University Press " وذلك سنة 1988.
     
    غير أن نص المقال الذي اقترحه هذا المؤرخ على مجلة الحوليات وتم نشره ضمن عددها خريف سنة 1989 وهو مقال حمل عنوان "العالم كتمثّل Le monde comme représentation" (Annales E.S.C, 6 nov-dec 1989, p. 1505 - 1520) هو الذي قدم صورة دقيقة عن طبيعة الزحزحة المنهجية التي أنجزتها بحوث "شارتي" بهذا الصدد. فقد استعرض منذ البداية المميزات الأساسية التي طبعت الاشتغال فرنسيا على تاريخ الذهنيات وذلك بغرض رصد المواضيع المجدّدة ومدى وفائها للتوجهات المنهجية التي قادت التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، متفرّغا بعد ذلك لتحديد التحولات المنهجية التي أعادت ومن منظوره الخاص صياغة مناهج صناعة المعرفة التاريخية حاضرا. وبهذه الطريقة توصّل مقال "شارتي" إلى فرض انقلاب ضمن حقل المعرفة المنهجية التاريخية، متحوّلا إلى مرجع أساسي بالنسبة للعديد من المؤرخين من أجيال مختلفة لم يقتصر اهتمامها على تاريخ الفترة الحديثة وهو التخصّص الضيق لهذا الباحث المجدّد. كما أسهم نشر كتاب "على حافة الهاوية التاريخ بين الشك واليقين Au bord de la falaise. L’histoire entre certitude et inquiétude سنة 1998 في توضيح مقترحه الذي لا يبتعد كثيرا عمّا صاغه "دانيل روش Daniel Roche " الذي اشترك معه منذ سبعينات القرن الماضي في صياغة العديد من البحوث حول الحساسيات الأكاديمية التي طبعت القرن الثامن عشر، حتى وإن حافظ هذا الأخير على الالتصاق بحقله المعرفي المتصل بتاريخ طبع الكتب ونشرها وقراءتها، وهو مجال ارتكز ضمنه الاهتمام على التدقيق في دراسة الآثار المكتوبة وعلاقة ذلك بمختلف الأدوات والممارسات التي تترتب على انتشارها وتوسيع دائرة المطلعين على محتواها داخل المجتمع، في حين ركز "شارتي" على كيفية انتشار تلك الآثار المكتوبة وعلى الممارسات الاجتماعية المترتبة على ذلك الانتشار، والتي أسعفت في الانفتاح على أدوات ثقافية أخرى تحيل على ما وسم بــــ"الثقافة المادية culture matérielle".
     
    ولئن تباعدت أساليب الأداء توافقا مع سياق التجربتين المعرفيتين لكلا المؤرخين (تموقع "دانيل روش" عند تماس التاريخين الاقتصادي والاجتماعي والتاريخ الثقافي، وتعويل "شارتي" على شبكة واسعة انطلقت من مدرسة الدراسات العليا في علوم المجتمع بباريس لكي تنتشر بالأمريكيتين بفضل الترجمة واستغلال وسائط الاتصال الحديثة والإسهام في الإنتاج السمعي البصري، فإن "شارتي" هو من خلف مع حلول سنة 2006 "دانيل روش" بمؤسسة "الكوليج دي فرانس Collège de France" من خلال تبوئه لكرسي "الكتابة والثقافات بأوروبا في العهد الحديث"، وهو ما ينهض حجة على التواصل والتراكم المعرفي البنّاء الذي طبع النقلة المعرفية التي شكّلها إسهامه في تطوير مناهج التاريخ الثقافي عامة والتاريخ الثقافي للوسط الاجتماعي تحديدا .

     -
    كتابة تاريخ الثقافة السياسية

     
    مثّل هذا التوجه في كتابة التاريخ جيل من مؤرخي الفترة المعاصرة فضلوا توسيع مدار اهتماماتهم ليشمل "تاريخ الزمن الحاضر histoire du temps présent" مبتعدين عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بغرض التركيز على التاريخ السياسي بعد الاستفادة من التطورات المنهجية التي عاينها التاريخ الثقافي. راهن البحث في هذا المجال بشكل معلن ومسئول على فاعلية التوجهات التاريخية الاجتماعية الثقافية، مختبرا العديد من المفاهيم الاصطلاحية التي تسمح بإلقاء مزيد من الضوء على المساهمات الفكرية للأجيال المتعاقبة ودراسة مدلول التقاطعات بين المسارات وفهم مدى فاعلية الهياكل المتصلة بالحياة الجماعوية، وجميعها مفاهيم تم الحرص على توظيفها لاحقا ضمن مجالات بحثية جديدة. فقد تم التعامل مع التاريخ السياسي من زاوية إعادة تملك مكتسبات التاريخ الاجتماعي للنخب المثقفة المتأثرة بسوسيولوجية "بيار بورديو Pierre Bourdieu "، حتى وإن أبانت العروض المقترحة ضمن هذا الإطار المعرفي المتصل بالتاريخ المعاصر وتاريخ الزمن الحاضر عن كثير من الاستقلالية بخصوص المسائل المتعلقة بتحليل مدلول الحراك الاجتماعي وتعقب مسار إدماج المثقفين داخل أجهزة الدولة، مقارنة بالعروض التي صاغتها البحوث السوسيولوجية المتأثرة بفكر "بورديو" وبمختلف المفاهيم الإجرائية التي أقحمها في نطاق المعرفة الاجتماعية والإنسانية على غرار "إعادة الإنتاج reproduction" و"التمايز الاجتماعيdifférenciation sociale" و"العادة habitus" و"الرأسمال الرمزي capital symbolique" و"العنف الرمزي violence symbolique"... وغيرها من المفاهيم الأخرى. لقد تبيّن منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي وطوال مرحلة التسعينات تركيز البحث في الثقافة التاريخية على مفاهيم إجرائية جديدة تحيل على التفاوض والانتقال وكيفية التلقي، وهي مجالات لوّنت تيارا كاملا في كتابة التاريخ الثقافي لدى أغلب المختصين في تاريخ القرن العشرين. كما تزايدت الدعوات لبناء تناهج خلاّق بين التاريخين الثقافي والسياسي، وتزامن ذلك مع توسع الحديث عن "الثقافة التاريخية" بعد إخراجها عن مجال العلوم السياسية ومواءمتها مع خصوصيات البحوث التاريخية وهو ما توافق مع إعادة الاعتبار ضمن الأوساط المثقفة لدور الفرد المفكر والفاعل، وربط تلك المهمة بإنجاز تاريخ للحراك الطارئ على المعنى داخل المجتمع عبر تسليط مزيد من الضوء على اتجاه الفهم ودلالته. لذلك فإن إحدى التعريفات الممكنة للتاريخ الثقافي قد تمثلت في اعتباره حاضرا مجالا لفهم تلك الدلالة المزدوجة للمعنى بتركيز الاهتمام على مظهرين هما عدم ثبوت الدلالة بفعل الحراك وخضوع الظواهر القابلة للتمثل الجماعي بالضرورة للتحول.
     
    وهكذا فقد أكسبت مسألة بناء تاريخ للزمن الحاضر يستند منهجيا على المنجزات التي حققتها الانتروبولوجية التاريخية كامل مشروعيتها، حتى وإن لم يبتعد حضور مثل ذلك التناهج بين هذين التخصصين بالمقاربة التاريخية عن دورها الأساسي المتمثل في تعقب طبيعة التحولات الناجمة عن ملابسات السياق الزمني وخصوصياته، لذلك فإن رهان التاريخ الثقافي قد يتمثل مستقبلا في زحزحة حواجز التخصّص التي لم تعد تتوافق مع حاجات الممارسة البحثية التاريخية وتمكّن من الإجابة عن جميع تساؤلاتها بصرف النظر عن المشروعية الأكاديمية لتلك الحواجز طبعا. فالتاريخ وعلى غرار بقية المجالات المعرفية والإبداعية أو الثقافية لا يمكن له التغاضي عن الانخراط في صيرورة التلاقح métissages، وهو أمر لا يدفعنا إلى الأسف عمّا مضى بل يدعونا وعلى العكس من ذلك إلى تصويب نظرنا نحو لما م نقم بعدُ بانجازه.
     
    ويعتبر المؤرخ الفرنسي جون فرنسوى سيرنيلي Jean François Sirinelli الذي يشغل خطة أستاذ بمعهد الدراسات السياسية بباريس ومديرا لمركز تاريخ العلوم السياسية وأحد منشّطي المجلة التاريخية، واحدا من أبرز المختصين في تاريخ الثقافة السياسية في الفترة المعاصرة.
     
    فقد خصّص أطروحته لدراسة "تاريخ خرّجي المدارس التحضيرية ومدارس المعلمين العليا بفرنسا في فترة ما بين الحربين"، وهو بحث عمد من خلاله إلى توضيح مدلول الالتزام المعرفي، تمت مناقشته سنة 1986 (Jean-François Sirinelli, Génération intellectuelle, Paris, Gallimard 1988). وتواصلت أبحاثة بعد ذلك لتتقصى محتوى الثقافة السياسية للمثقفين الفرنسيين من خلال أعماله التاريخية اللاحقة وخاصة مؤلفيه"المنازع الفكرية للمثقفين الفرنسيين: البيانات والعرائض خلال القرن العشرين" و"مثقفان يخترقان القرن العشرين: سارتر وأرون"
     (Intellectuels et passions françaises. Manifestes et pétitions au XX e siècle, Paris, Fayard 1990 . Sartre et Aron, deux intellectuels dans le siècle, Paris Fayard 1995.)
     
    والمهم هو التفطن إلى أن هذا الباحث لم يبق سجين الأُطر التي ركّبها لتاريخ النخب الفرنسية المثقفة، موليا عناية كبيرة بمسائل التفاوض والانتقال والتلقي وهي مجالات توافقت مع الدعوة إلى الاعتبار بالتناهج بين التاريخين الثقافي والسياسي، وتوسع الحديث عن دور الفرد المفكر والفاعل وهو ما جسمه "سيرنيلي" ضمن دراسته التي حملت عنوان معبّرا وموفيا بالقصد "لنفهم القرن العشرين الفرنسي Comprendre le XX e siècle français, Paris, Fayard 2005, p.22"
     
    ويمكن القول إجمالا أن "سيرينلي" من أوائل المؤرخين الفرنسيين الذين اشتغلوا على مرحلة ستينات القرن الماضي، بل وفكّروا بشكل دقيق في المدلول التاريخي لـــــ"ثقافة الجماهير" وهو ما يشي عنه خاصة مؤلفه (Les baby-boomers. Une génération 1945 – 1969, Paris, Fayard 2003 ; et Les vingt décisives, 1965 – 1985, Paris, Fayard 2007. ). أكسبت مختلف هذه الأبحاث المتصلة بمرحلة ما بعد ستينات القرن الماضي مسألة بناء تاريخ للزمن الحاضر كامل مشروعيتها، وتضاعف ذلك بعد أن أثبت البحث في تاريخ الثقافة السياسية قدرة لافتة على استعادة المنطق الذي انتظمت وفقه مختلف البصمات المدروسة مع التوجهات المنهجية المنصبّة حاضرا حول تاريخ ثقافي تفهّمي يقع على هامش الممارسة المعرفية المهيمنة على كتابة التاريخ تستقي مشروعيتها من قدرتها على التحرّر من عبء دمج الممارسات الاجتماعية ضمن المقاربات التاريخية الثقافية.
     
    نستطيع القول في الحاصلة أن أبحاث المؤرخين في هذا الحقل المعرفي وإن تعرضت إلى الاحتراز اعتبارا لتوجهاتها المنهجيّة المتسمة بالحدّ من مكتسبات التاريخ الاجتماعي، فإن الاهتمام الواسع بمنجزها المعرفي من خلال ترجمته إلى العديد من اللغات قد شكّل مؤشرا بليغا على الحيوية التي يبديها ما وسمه العارفون بالتاريخ الثقافي كونيا بــــ"المنعرج الثقافي على المنوال الفرنسي tournant culturel à la française".
     
    ويبقى التاريخ الثقافي على الشاكلة التي تتم ممارسته بها ضمن المجال الفرنسي حاضرا تخصّصا مرتبطا كثيرا بالمناهج المعتمدة في التاريخ الاجتماعي، لذلك تعرّض هذا "الأسلوب الفرنسي The french Style" إلى النقد من قبل المؤرخين الأنجلو-سكسونيين. (William Scott, « Culturel History, French Style », Rethinking History, 2-3 (summer 1999), p. 197 - 215)
     
    كما أن توقّفنا عند خصوصيات عدد من المسارات البحثية المنتسبة لهدا المقترب المنهجي في كتابة التاريخ لا يعني الإتيان على مختلف التوجّهات التي تقود البحث في التاريخ الثقافي، ذلك الذي يتسم بالتنوع، علما أن تأصّل هذا التخصّص ضمن المشهد البحثي التاريخي لا يدل بالضرورة على استكشاف مجال معرفي جديد بقدر ما يشي باتساع دائرة البحث التاريخي وتوسّع مجالاته، لذلك يستقيم اعتبار التاريخ الثقافي مثلما تتم ممارسته حاضرا على أنه تخصّص يقع على مفترق الطرق

    المصدر: Griffonnages  

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: وجهات نظر حول التاريخ الثقافي Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى