• اخر الاخبار

    كلوديو توراش و مدينة ميرتلة: قصة مناضل برتغالي ضد الديكتاورية و من أجل التنمية

    كلوديو توراش و أنا في مدينة ميرتلة صيف 2010

    الإهداء: إلى الأستاذ كلوديو توراش في سنة تكريمه
    كلوديو توراش ذو مظهر عالم الآثار الكلاسيكي، الذي تفرض عليك هيبتهُ رغم روحه المرحة الاحترام قبل أن تستمع إلى علمه و تجربته الكبيرة. قابلتهُ أول مرة في أحد أسواق المدينة العتيقة في مدينة تونس، ثم استقبلني في منزله بمدينة ميرتلة البرتغالية الشامخة على ضفة وادي يانة في غرب الأندلس، أين قضيتُ أكثر من شهرين، و أنا بصدد إعداد رسالة الماجستير.
    سيكون من العسير الحديث عن تجربتي في ميرتلة، لذلك سأقول باختصار أنها كانت ولادة جديدة على جميع الأصعدة، هو ذلك الشعور بأن فانوسًا جديدًا قد أنار في ذهنك، ففي مركز الأبحاث الإسلامية بميرتلة تعرفت عن كثب على البحث العلمي الجماعي، و على الباحثين العابرين للمحيط الأطلسي وراء بعض بقايا التجمعات الريفية الإسلامية، و في منزل الأستاذ كلوديو و زوجته مانويلا عالمة اللسانيات كان كل غذاء مُحاضرة ممتعة في التاريخ و اللغات، الجغرافيا و السياسية، و ذكريات ثائرين من ثورة القرنفل.
    هنا سأحاولُ أن أتذكر بعض ما أخبرني به هو و زوجتهُ عن مسيرتهما و تجربتهما في مدينة ميرتلة، كمناضلين حاربا الدكتاتورية و التخلف. ففي فترة حكم الديكتاتور سالازار تعرض للتضييق و السجن في عديد المرات، حيث وقع سجن مانويلا لمرات مُتقطعة، أخبرتني أنها لم تكن تدري كل مرة و هي في الغرفة الضيقة و المظلمة التي وضعتفيها إن كانت سترى نور الشمس مرةً أخرى أم لا، و هو نفس المصير الذي واجهه الأستاذ كلوديو الذي أختطف في إحدى المرات طائرة برتغالية و نشر فوق مدينة لشبونة مناشير مناهضة للديكتاتورية.
    كذلك حدثني عن كيفية هروبه في قارب صيد هو و زوجته التي كانت على وشك الولادة إلى المغرب، حيث عاشا مدة من الزمن في حالة من الفقر الشديد الذي جعلهما يضطران للبحث عن ما يسد رمقهما في مكبات القمامة.
    أما بالنسبة لتجربته في مدينة ميرتلة أو في محاربة التخلف بعد ثورة القرنفل، فيقول كلوديو توراش الذي أصبح أستاذً للتاريخ بجامعة لشبونة بأنه قد زار المدينة أول مرة رفقة زميله أنطونيو بورجاس كويلهو في صيف 1978، حيث شاركا هذين الاثنين في التغيرات الجوهرية التي عرفتها الجامعة البرتغالية بعد الثورة، خصوصًا بعد أن أصبحت هذه الجامعة تحاول إيجاد مُقاربات جديدة حول التعامل مع المناطق الداخلية الفقيرة.
     إذن لمثل هذه الأسباب و لأسباب علمية، مُتعلقة بالبحث في مجال تاريخ العالم المتوسطي_الإسلامي الذي تم إغفالهُ تمامًا في تلك الفترة من قبل الباحثين البرتغاليين توجه الاثنين إلى ميرتلة، بدعوة من طالبهما الأسبق بجامعة لشبونة، رئيس البلدية سيراو مارتيناش، الذي تم انتخابه حديثًا في أول انتخابات بلدية تجري بالمدينة.
    أبهر الثراء الأثري الذي تزخر به المدينة كل من كلوديو توراش، و أنطونيو بورجاس كويلهو، فلم ينتظرا طويلاً للعودة إلى المدينة في خريف نفس السنة أي 1978 للقيام بحملة حفريات أثرية شارك فيها مجموعة من الطلبة، و مجموعة من الشُبان المُتطوعين من المدينة، حيثُ أكدت هذه الحفريات مرةً أخرى ثراء المدينة أثريًا، يقول الدكتور توراش حول هذه الحملة: "... وجدنا قطعًا خزفية في القصر، كُنا نجدُ في كل ناحية مؤشرات حول الحضور الإسلامي...".
    من هنا و بعد هذه الحملة أصبحت ميرتلة قبلة مجموعة من الباحثين و الطلبة بقيادة الدكتورين توراش و كويلهو، و بعض الأساتذة الآخرين، الذين كانوا يستغلون العطل ليقوموا بحفريات دورية، قُوبلت بترحاب السكان المحليين.
    نظرًا لكثافة البقايا الأثرية المُكتشفة لم يعُد من المُمكن أن تبقى الأنشطة موسمية، من هنا أختار كلوديو توراش بدايةً أن يستقر بمدينة ميرتلة، و هو الأمر الذي فعلهُ بعض الأساتذة الآخرين، و عدد من الطلبة الذين اشتغلوا بالمدرسة المحلية لتمويل أبحاثهم، كما أن عددًا هامًا منهم تزوج من السكان المحليين، و أستقر نهائيًا بميرتلة.
    قام هذا الفريق المكون من طلبة علم أثار، التاريخ، الأنطربولوجيا، تقنيين في عملية الترميم و غيرهم، و الذي أشرف عليه كلوديو توراش، و بقية الأساتذة، و المدعوم بصفة كلية من بلدية ميرتلة، بعمل جبار في فترة زمنية قصيرة، فقد نجح في تنظيم الأرشيف التاريخي الخاص بالمدينة، بالإضافة إلى أن جزءًا من الفريق يظم معماريين قام بعمليات مسح و رسم، التقاط صور فوتوغرافية لكل منازل المدينة القديمة، فالآن يوجد في أرشيف البلدية أهم أرشيف حول مدينة وسيطة في البرتغال، كما قام هذا الفريق بمشاريع بحثية مُتعددة حول مدينة ميرتلة.
     من هنا وبعد أن توفرت المادة العلمية الكافية، تم في السنة الموالية أي سنة 1979 تنظيم أول معرض حول المدينة، أين عُرضت نتائج الحملات الأثرية، بالإضافة إلى  تقديم فكرة عن الأهداف المستقبلية للمشروع، و قد خلق هذا المعرض حركية هامة جدًا في أوساط السكان المحليين، الذين تصالحوا  مع تاريخهم، و وعوا أهمية ما تحويه مدينتهم من تراث بقي مُهملاً لسنوات طويلة، و لعل من أهم الأمور التي تشير إلى هذا الموضوع، هو ما أخبرنا به الأستاذ توراش عن أن بعض السكان جاؤوا بما يملكون من أشياء من أجل عرضها، كما أن العديد من الشبان المحليين أصبحوا يرغبون في المُشاركة في حملات الحفريات الأثرية.
    أما نجاح هذا المشروع الذي قاده كلوديو توراش و من معهُ فيظهر في التطور الكبير لعدد السياح الذي كان لا يتجاوز بضعة عشرات بداية ثمانينات القرن العشرين ليصل في السنوات الأخيرة إلى ما يجاوز العشرين ألف سائح سنويًا، حيث يوفرُ هذا العدد الهام و النوعي من السياح مُقارنةً بحجم المدينة الذي لا يتجاوز عددُ سكانها الألف و خمسمائة ساكن مردودًا اقتصاديًا هامًا، يظهر بصفة مُباشرة في تطور عائدات متاحف مدينة ميرتلة، أو بطريقة غير مُباشرة، من خلال تطور الأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة، أي مجالات الفندقة و المطاعم.
    مشروع ميرتلة، مشروع بدأ حُلمًا في خيال كلودبو توراش و أصبح اليوم في ذكرى الاحتفال بمرور ثلاث و ثلاثين سنةً على بدايتهِ حقيقةً، ثلاثين سنةً من العمل و التضحيات التي يُمكنُ مُلامستها على أرض الواقع، أو من خلال عديد الأرقام، يُمكنُ ملامستها في شغف الدكتور "كلوديو توراش" كُلما حدثك عن ماضي المشروع، و عن مُخططاتهم المُستقبلية، في إصرار "سوزانا قوماث"، هذه الإسبانية، التي تركت ضوضاء مدريد، مُكرسةً حياتها بعد أن تزوجت بأحد البرتغاليين للمشروع، في اندفاع "سانتيغو ماثياس" الباحث الشاب، في عزيمة كُل الشبان العاملين بجمعية الدفاع عن التراث بميرتلة، ونقاشاتهم الحادة حول المشاريع التنموية، في بشاشة كُل العاملين في الجمعية الأثرية، في إصرار تقنية ترميم الخزف على تركيب قطع إحدى الأواني الخزفية، في ابتسامات المُتطوعين في الحفريات، رغم حرارة صيف ميرتلة.
    لقد نجح المشروع في إعادة الحياة لمدينة ميرتلة التاريخية، مدينة كانت في طريق الاندثار، كعديد المُدن التاريخية المنسية في المناطق الداخلية، و لكن بعزم مجموعة من المؤمنين خرجت المدينة بفضل تراثها كعنقاء من تحت الرماد، و عاد تمثالُ ابن قُسي ليقف شامخًا أمام قصر المدينة مُطلاً على كامل الأندلس التي كادت ميرتلة أن تُصبح عاصمتها، و على وادي يانة الذي يلتفُ حولها في عناقٍ لم ينتهي مُنذُ الأزل. 
    الكيخوتي خريف 2010-ربيع 2013
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: كلوديو توراش و مدينة ميرتلة: قصة مناضل برتغالي ضد الديكتاورية و من أجل التنمية Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى