• اخر الاخبار

    تونس بعد الديكتاتورية...قبل الديمقراطية




    بين ما حدث و ما يحدُث، و بين الأخبار و الصور و الفيديوات التي تُنشر على الفايسبوك كل دقيقة، بين الأخبار العاجلة التي تظهر في أسفل شاشات التلفاز، و نداءات الاستغاثة، و الأخبار الساقطة من المجهول التي تتناقلُها الألسن، لا أظن أن أحدًا من التونسيين أستطاع أن يلتقط أنفاسهُ و يُرتب أفكارهُ، ويفهم التحول العميق الذي تعيشهُ بلادنا، تحول لا يمكن لأي شخص أن يدعي أنهُ توقع حدوثهُ بهذه الطريقة السريعة و الجذرية.


    قبل أسبوع من اليوم كانت جرائدنا و تلفازاتُنا تُناشد و تُمجد، أما اليوم فهاهي تعارض و تكشف المستور، بين "فخامة الرئيس" و "الرئيس المخلوع" فقط أيام معدودة، بين "السيدة الفاضلة"، و "ليلى الطرابلسي السارقة" كذلك بضعة أيام، بين أمي التي كانت تنهرُني خائفةً من انتقاد النظام السابق حتى في منزلنا، و أمي التي لا تتحرج في الدعاء على هذا النظام، الذي حرق أكباد العديد من الأمهات، كذلك زمن غير بعيد.


    هكذا إذن تعيش تونس اليوم "بين بين"، بين ماضي لا يريدُ أن يمضي في حال سبيله، و مُستقبل لم تتوضح ملامحهُ بعد، الجميع يتحدث عن مخاض عسير، لكني أظن أن هذه الصورة لا تُعبر بصدق عن الحالة التونسية، لأن الحرية لا تولد من رحم الديكتاتورية، فمواليد الأنظمة الديكتاتورية كثيرًا ما يلبسون في طفولتهم جلباب الحرية، لكنهم سرعان ما ينزعونهُ بمرور السنين ليعودوا إلى ديكتاتوريتهم الفاجرة


    أظن أن الصورة المُعبرة عن المشهد التونسي اليوم غير مُهمة فهل هو مخاض أم عملية جراحية لم يعرف الأطباء إلى حد الآن كيفية إنهائها؟، بقدر ما هو مُهم توصيف الوضعية الحالية بكل دقة، وضعية شعب يعيش مرحلة ما بعد الديكتاتورية...ما قبل الديمقراطية.


    هذه الوضعية التي تتلخص في صورة التائه في الصحراء لأيام دون ماء، يرى من بعيد واحةً، و لكنهُ لكثرة ما توهم في السابق هذه الواحة لم يعد يثقُ بما تراهُ عيناه، نعم نحن لا نكاد نصدق اليوم أننا مقبلون على الديمقراطية، على الحرية، لا نكاد نصدق أن بن علي ذهب بغير عودة.




    أن جُرعة الحرية التي حقنتها في عروقنا ثورة الكرامة أو الياسمين، ورغم حلاوتها، فأنها مُقلقة و أخاف أن تكون زائدة، جرعة أدخلتنا في حالة من النشوة، نشوة أخافُ أن يليها صُداع مُزمن، أقول هذا الكلام ليس مُصادرةً لحرية أي أحد في التعبير، و أنما من باب التنبيه إلى الخيط الرفيع الفاصل بين الحرية و الفوضى.


    نحن شعب مُتعطش جدًا إلى الحرية، لكنهُ لا يكادُ يثق بأي أحد، لا برموز النظام السابق، و لا بمُعارضة النظام السابق، الشكلية و الحقيقية، شعب فقد الثقة في نخبته الحاكمة، و كذلك "المُثقفة"، التي لم تقف إلى جانبه في أغلب الأحيان، و كانت لمُدة غير بعيدة أما صامته أو مُنظرة للنظام القمعي، و ربما يمكننا أن نجد أعذارًا لأولئك الصامتين، لكننا لا نجدُ أعذارًا لمجموعة المُنظرين و المُناشدين، خصوصًا أن هؤلاء غيروا مواقفهم بشكل وقح جدًا بين ليلةً و ضُحاها، دون أي اعتذار للشعب التونسي، و هم لازالوا يركبون سيارات، و يرتدون ساعات ثمينة دفعها لهم النظام السابق مُقابل أقلامهم و أصواتهم الرخيصة.


    إن الوضع الذي نعيشهٌ اليوم وضع "بين بين" أو "ما بعد الديكتاتورية... قبل الديمقراطية"، و لئن ألجم العديد من الأصوات و رموز النظام السابق، و جعلهم حبيسي منازلهم، لا تكادُ تسمع لهم صوتً، فأنهُ كذلك أظهر العديد من الأصوات المُزايدة و المُتبجحة بالنضال، في مُزايدة وقحة على وطنية الآخرين.




    لئن كُنا نحترم كل الذين ناضلوا و سجنوا و عذبوا في ظل النظام السابق، فأن هذا لا يسمح لهؤلاء باحتكار الوطنية، أو أدعاء البطولة على حساب الجميع، كما لا يسمح لهم بتقرير مصير تونس، على هؤلاء الإدراك أن شرف النضال لا يمكن أن ينتزعهُ منهم أحد، و أن هذا الشرف لا يسمح لهم بإقصاء الآخرين، لا يمكن اليوم المُزايدة على دماء الشهداء أو أدعاء أي جهة من الجهات أنها هي التي قدمت أكثر عدد من الشهداء، و بالتالي فأن هذه الثورة هي ملكها.


    من جهة أخرى على الجميع أن يدرك أن سقوط بن علي و نظامه القمعي، و تكون حكومة وحدة أو إنقاذ وطني، أو أي شكل من أشكال الحكم لن يغير كل شيء بين ليلة و ضحاها، فما نلاحظهُ اليوم سواءً في الشارع أو من خلال مُشاركات المواطنين عبر الإذاعات و التلفزيون، هو وجود العديد من المطالب الشخصية، للجميع الحق في أن يحلم بغد أفضل، لكن هذا الغد لا يُمنح، كما أن الدولة الجديدة سترث تركة ثقيلة جدًا على جميع المُستويات، من هنا وجب على الجميع الإدراك أن الأيام و الأشهر المُقبلة ستكون عسيرة على المُستوى الاقتصادي، و أن تقديم التضحيات و تفهُم الوضع القائم هو شكل من أشكال النضال، فليتذكر كل الذين وقفوا أو سيقفون في الصفوف لاقتناء الخبز ما قدمهُ الشهداء، فليتذكر كل من لم يجد قارورة غاز مُحمد البوعزيزي و رفاقهُ.


    كلنا نطمح إلى تونس حرة، تونس التي ناضل و لازال هذا الشعب يناضل من أجلها، تونس ديمقراطية، عادلة، يطيبُ فيها العيش لجميع التونسيين، تونس قائمة على أساس القانون لا الانتقام، على أساس المُشاركة لا الإقصاء، على أساس الاختلاف و الحوار.


    نساء تونس، رجال تونس 2011، فلتكونوا فخورين بأنكم صنعتم هذه الثورة، التي يتحدثُ عنها كُل العالم، و التي سيذكرها التاريخ، هذه الثورة التي ستحدثُون عنها أطفالكم و أحفادكم، فلتكونوا فخورين لأنكم تبنون اليوم مُستقبلاً أفضل لتونس الحرة

    2011/01/22
    الكيخوتي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: تونس بعد الديكتاتورية...قبل الديمقراطية Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى