• اخر الاخبار

    الإسلام السياسي في تونس و الديمقراطية : غاية أم وسيلة؟



    مرت ثمانية أشهر على حكومة النهضة، لأنها بكل بساطة حكومة النهضة، أما البقية فمُجرد أشياء لا مُسمى لها تدور في الفلك، بعد ثمانية أشهر يمكنني القول أن الكأس الذي كُنتُ أراهُ نصف فارغ، أراهُ اليوم فارغًا تمامًا، ليس في مستوى الإنجازات الاقتصادية أو الاجتماعية فقط، بل في مستوى الحُكم على تجربة الإسلاميين في السلطة.

    أتذكرُ جيدًا كلام راشد الغنوشي، أيام قليلة بعد الثورة في قناة الجزيرة، و هو يسخر من حزب التحرير الذي خرج ليُنظم مظاهرة قبالة السفارة التونسية بلندن للمطالبة بالخلافة، أو تصريحاته الأولى بعد عودته إلى تونس عن الوفاق اللازم لإدارة البلاد في المرحلة المقبلة، أتذكرُ جيدًا ما قالهُ رئيس الحكومة الحالي في إذاعة موزاييك أ.ف.م" بأنهم حزب مدني، و على هذا الأساس فقط يجب مُعاملتهم، أتذكرُ كذلك كلام ديلو و البحيري المُطمأن.

    هذا الخطاب المُطمأن سُرعان ما تغير بعد حصول الحزب على تأشيرة العمل القانوني، و بدأنا كل مرة نسمعُ بعض "الفلتات"، تأتي من هنا و هُناك، و التي سُرعان ما كان ديلو يتصدى لتكذيبها أو تبريرها بطريقته، فمرةً يتهم "إعلام العار"، الذي يُريد تشويه الحركة، و مرةً  لم نقصد ما فهمتم.

    مضى الحزبُ مُسرعًا في خطواته و في افتتاح فروعه التي بلغت أقاصي البلاد، انتشار يُعبر عن شعبية حقيقية لحركة يُنظر لفكرها تقريبًا في كل بيوت الله، كُل يوم جُمعة، في الدروس الدينية بين المغرب و العشاء، و في الدروس المُلقنة إلى بعض النسوة، اللاتي سُرعان ما يحملنهُ إلى المجالس الخاصة و الحمامات.

    بدأت الحملة الانتخابية بالأعراس الجماعية، و شبان و شابات لُطفاء، ظُرفاء، يرتدون صدرية تحمل شعار الحزب، يقرعون أبواب كل ناخب تقريبًا، ليخبروهُ بأن الخير في انتخاب حزبهم، الذي سيفعل و يفعل و يفعل...، في المقابل ازدادت كثافة الخطاب الديني، حتى انتشرت فكرة: أن الله سيُحاسب من لن ينتخب الحركة و سيسألهُ في يوم الحشر العظيم: لماذا لم تنتخب النهضة؟ هكذا قال لي أحد الأصدقاء، و هذا ما سمعته من آخرين.

    بعد كُل هذا ذهب بعضٌ من الشعب لينتخب، فأختار البُسطاء تعويض دنياهم التي خسروها في حاجتهم و فقرهم بالآخرة، و أختار بعضٌ آخر، من وعدهُ بمحاسبة الفاسدين، في حين أن آخرين توجهُوا أفواجًا للتصويت لمن أستطاع أن يلمس قلوبهم و جيوبهم بخطاباته الشعبوية و المُتكررة، و تفرقت أصواتُ عديدة على من يستحق و من لا يستحق.

    تكونت أقوى "حكومة في التاريخ" بعد شد و جذب، و تحققت أحلامُ كثيرين، فالرئيسُ جلس القرفصاء أخيرًا على كُرسي قصر قرطاج،   و فُتحت أبواب العرش في وجه المُقربين و عديد المحظوظين ممن يُسمون مستشارين، و جلس كذلك رئيسٌ ثاني ممن يسمى "مناضلين" في ذلك الكرسي العلي و أمسك بيده مطرقةً خشبية، و زرًا يضغطُ عليه عندما لا يُعجبهُ كلامُ أحد المعارضين، و احتل أفواج سجناء الحركة المناصب و الكراسي، أما رئيسهم فكعادة الزعماء لا يستحقون أي منصب فالدولة و الحكومة و جواز السفر الدبلوماسي كُلها مٌلكُ يمينه.

    بدأت محاولة الاستفادة من السلطان، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ففي المستوى الإداري، محاولات محمومة للسيطرة على الإدارة كان من بينها ذلك القرار المتعلق بالوظيفة العمومية، أو تنصيب الولاة و المُعتمدين و  التابعين على أساس الموالاة، و آخرها إقالة محافظ البنك المركزي في خصومة مسعودة و سعيد، أما في المستوى الإعلامي فحرب لا هوادة على "إعلام العار"، الذي صمد بعضهُ و سقط بعضهُ الساقط أصلاً مُنذُ زمن، فعادت أبواق النعيق لتصدح بالإنجازات، وتصف المُعارضين بالشرذمة القليلة، و أعداء الوطن.

    في المُقابل و الأخطر من كُل هذا و الذي أعتقدُ أنهُ سيصل بنا إلى استنتاج أن الحركة الإسلامية العربية، أي بالأساس الإخوانية، لا يمكنها أن تكون ديمقراطية، على الأقل في الزمن الحاضر، هو المشروع المُجتمعي الموازي الذي يهدفون إليه، ذلك المشروع الذي يقوم على مفهوم التضاد بين "الحرام" الذي هو النموذج المجتمعي الحالي و "الحلال": الذي هو الاقتصاد الحلال، و اللباس الحلال، و أخر "الكوارث" التعليم الحلال أو ذلك الذي يسمونهُ "التعليم الزيتوني".

    غاية كل حزب في أي نظام ديمقراطي هي الوصول إلى السلطة، و تطبيق رؤيته للحكم، دائمًا من داخل النظام و في إطار نفس التصور العام للنموذج المجتمعي و السياسي، و ليس الوصول إلى الحكم من أجل الانقلاب على ما هو قائم، كأن يُسمح في النظام الديمقراطي الأمريكي لحزب شيوعي بالنشاط فالوصول إلى الحكم و تحويل البلاد إلى الشيوعية. 

    إن من يقول بأن هذه هي الديمقراطية و هذا هو اختيار الشعب، كمن يسمح للفريق الفائز في لقاء كرة قدم بأن يُغير كل قوانين اللعبة، بمعنى أن الذين قبلوا المشاركة في اللعبة الانتخابية، من أحزاب و ناخبين، و الذين جعلوا من عملية الانتخاب شرعية و مُعبرة عن إرادة الشعب، قبلوا المشاركة على أساس أن الملعب الذي يظم الجميع هو النظام الديمقراطي.

    إذن هذا الحزب الديني الذي أظهر بعد سنة و نصف من النشاط العلني، أن لهُ مشروعًا مُجتمعيًا موازيًا، و يعتبرُ ما تحقق في الانتخابات الأخيرة من نجاح فرصة لا يجب تفويتها، هل يمكن أن يتعايش مع أهم مبادئ الديمقراطية أي التداول على السلطة و التفويت في حُلمه؟ لا أظن، لذلك أقول بأن هذا الحزب و هذا الفكر عمومًا لا يمكن أن يتعايش مع النظام الديمقراطي، لأنهُ من خارج المنظومة الديمقراطية، التي تقوم على مجتمع متوازن بين ما هو روحاني و ما هو دنيوي، باختصار الأحزاب الدينية على شاكلة ما هو موجود في العالم العربي لا يمكن أن تكون ديمقراطية، ما دامت لا تُؤمن بعلمانية أردوغان.
    رمضان كريم
    الكيخوتي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: الإسلام السياسي في تونس و الديمقراطية : غاية أم وسيلة؟ Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى