• اخر الاخبار

    مُلاحظات حول التجربة الإسبانية في إعادة بناء الأجهزة الأمنية و العدالة الانتقالية

    اليوم و أنا عائد من المكتبة الوطنية الإسبانية في مدريد إلى حيث أقطُن أعترضتني بدايةً مجموعة من المُتظاهرين، من حركة 15 ماي، ثُم مُباشرةً وجدت الطريق مقطوع بمجموعة من الحواجز، و سيارات الشرطة، حاولت أن أسلك طريق أخر لكنني وجدتهُ كذلك مقطوع بمجموعة من الحواجز، في مشهد ليس ببعيد عن قصبة تونس، سوى غياب الأسلاك الشائكة، أنهُ طوق أمني تفرضهُ الشرطة على جميع  الأنهُج و الطرُق المؤدية إلى مجلس النواب الأسباني

    و ها أني أفتح منذ قليل صفحة الفايسبوك فأجد تقريبًا المشهد يتكرر في قصبة تونس مع ياسين العياري و مجموعته، ولكن الفارق هُنا هو عُنف الشرطة التي تدخلت كالعادة بالعنف اللفظي و المادي لتفريق هذه المجموعة الصغيرة. المُتظاهرون الأسبان و عندما تم منعهم من الوصول إلى مجلس النواب أفترشوا الطريق، و هو طريق كبير و حيوي، لكن و إلى حد كتابة هذه الأسطر لم تتدخل الشرطة لتفريق المُتظاهرين

    أنا أعتقد و كما قُلت في السابق، و مُنذُ بداية شهر فيفري و في مقال بعنوان "بلاد البوليس" و مقال أخر على أثر أحداث القصبة 2 بعنوان "قراءة في المواجهات الأخيرة بشارع الحبيب بورقيبة، و فـُرص تجاوز الأزمة"، أن أكبر مُشكلة في تونس هي وزارة الداخلية، التي يُمكن اعتبارها آلة الديكتاتورية، فأن سقطت هذه الأخيرة فأن آلتها لم تسقُط. فمُقارنةً مع وسائل الشرطة الأسبانية و نظيرتها التونسية، يُمكن أن نُدرك التأخر الكبير لهذه الأخيرة، فمن خلال حضوري في تظاهرات يوم الجمعة و السبت يمكن مُلاحظة بعض النقاط الهامة في التعامل مع المُظاهرات:

    - أولاً: حرص قوات الأمن على تقليل الاحتكاك بالمُتظاهرين بأكبر قدر مُمكن، و ذلك من خلال مُراقبة المُظاهرة عن بعد، و عبر طائرة هليكوبتر لم تُفارق المكان

     ثانيًا: مظهر القوات الأمنية، على الأقل التي في احتكاك بالمُتظاهرين، هو مظهر رجل الشرطة العادي

     ثالثًا: و من خلال الحديث مع أحد رجال الأمن(بطبيعة الحال ليس خلال التظاهرة)، أخبرنا بوجود فِرق أمنية مُختصة في التعامل مع التظاهرات، كما أن هذه الفرق على دراية كاملة بقوانين التظاهر و ردة الفعل الواجب اتخاذها مع كل حالة(يعني قوات تسير حسب القانون لا التعليمات)، لا بل أن رجل الأمن هذا أدان التجاوزات التي قام بها بعض رجال الشرطة في تظاهرات شهر ماي، و قال بأنها غير قانونية.

    في الحقيقة، و رغم أني مُتأكد من أن مُعضلة الشرطة في تونس هي مُعضلة بنيوية، فأنا أكاد أجزم أن طريقة التعامل مع المُظاهرات هي مُشكلة تقنية، فمثلاً طريقة التعامل مع المُظاهرات التي قامت بعد تصريحات الراجحي، أو طريقة فض اعتصام القصبة 3، يؤكد هذا الاستنتاج، فلا أعتقد أن الحكومة أو وزير الداخلية و مسؤولية، يُخيرون تلك الطريقة الوحشية في التعامل مع المُتظاهرين، و ذلك ليس من باب الإنسانية أو الرأفة، و أنما من باب تفادي أستتباعات تلك التدخلات، وسيل النقد و الغضب الذي يولدهُ في الشارع

    خلال حواراتي المُختلفة مع عديد الأشخاص هُنا في أسبانيا أو البُرتغال، و في سؤالي كيف تحول جهاز الشرطة من آلة قمع في الستينات و بداية السبعينات خلال عهد فرنكو و سالازار إلى جهاز يحترم المواطن؟

    كانت الإجابة تقريبًا دائمًا بأن ذلك أخذ وقت ليس بالقليل، فكما أخبرني صديقي خوسيه الذي سُجن في عهد فرنكو هو و زوجتهُ، و عايش مرحلة الانتقال الديمقراطي في أسبانيا، فقد تواصلت مُمارسات الشرطة القمعية، بل و حتى الاغتيالات سنوات بعد سقوط نظام فرنكو الذي تسبب في مقتل نحو 114 آلف أسباني بين 1936 و 1975، و بأن عملية أصلاح جهاز الأمن بدأت بتغيير الزي الرسمي لهذه الأجهزة، كما تم إدماج عدد كبير من الأعوان الجُدُد خصوصًا من الشُبان، هذا بالإضافة إلى عملية إعادة الهيكلة التي تمت بمساعدة خبراء أجانب

    أما بالنسبة للعدالة الانتقالية، و التي تدخل في عملية إصلاح أجهزت الأمن، و إعادة بناء الثقة بين المواطن و رجل الأمن،  فقد اختارت أسبانيا أن تبني عدالة مبنية على النسيان، فصفحة مُمارسات التعذيب و القتل التي تمت في عهد فرنكو تم طيُها دون مُحاسبة الجلادين و القتلة، الذين رُبما ظلت أرواح ضحاياهم، تُطاردهم و تُنخص نومهم إلى أخر أيام حياتهم، لا بل تم في سنة 1977 إصدار قوانين تمنع تتبع هؤلاء، و هي قوانين معمول بها إلى اليوم
    و لعل هذا الاختيار و رغم الانتقادات الكبيرة الموجهة لهُ، خصوصًا مع كُل عملية كشف جديدة عن مقبرة جماعية، و التي حضرتُ أحداها الصيف الماضي في جهة أشبيلية، يبقى الأنسب في عملية بناء السلم الأهلي، خصوصًا أذا كان عدد كبير من المواطنين قد شاركوا في دوامة العُنف، فتجد من العائلة نفسها الجلاد و الضحية

    المُحاسبة أمر ضروري -" و ما يحس بالجمرة كان اللي يعفس علاها"-، لكني أعتقد أنها لا يجب أن تُصبح هي الهدف، بل هي وسيلة لبناء صفحة جديدة في تاريخ تونس، رُبما تكون نظرات الضحية في أعين الجلاد، أو سؤال أُم لأحد القتلة: علاش قتلتي ولدي؟ أكثر جزاء من السجن أو الإعدام.

    هذه بعض المُلاحظات حول التجربة الأسبانية في عملية إعادة بناء أجهزت الأمن، و تجاوز تركة الديكتاتورية، هي تجربة ككل التجارب غير مثالية، لكني أعتقد أنها نجحت في تحويل أسبانيا من بلد ديكتاتوري، فاشي، تكتظ سجونهُ بالمعتقلين السياسيين، و يُقتل فيه المُعارضين، إلى بلد ديمُقراطي تُحترم فيه حقوق الإنسان

    2011/07/11
    الكيخوتي
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: مُلاحظات حول التجربة الإسبانية في إعادة بناء الأجهزة الأمنية و العدالة الانتقالية Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى