• اخر الاخبار

    قراءة حلزونية سريعة في خطاب "الأزمة الخلاقة"

    رؤية ضبابية لمشهد من خطاب الرئيس
    "لن أستقيل...أزمة خلاقة...أزمة خلاقة....يستكثرون علينا عامين...في سنتين تقدمنا كثيرًا...أزمة طبيعية...ما ناش شواذ...مسؤولية...مسؤولية...إذا فشلنا سيكون مصيرنا جميعًا الفشل". تقريبًا هذه هي أهم الكلمات المفاتيح التي حضرت في خطاب السيد المنصف المرزوقي أمس. 

    بدايةً يجبُ أن أحذر القارئ الذي يعاني من رُهاب لعاب الحلزون، بأن هذه التدوينة تدخل في خانة ما سمته أم زياد في مقالها الشهير لبن علي بلعاب الحلزون، و بأنني كما كتبت في إحدى المرات السابقة قد تركتُ لكم مهمة التفكير المتزن، و رؤية النذر القليل المليء من الكأس.

    عندما كان التونسيون كعادتهم مُتسمرين وراء حواسيبهم في الصفحة الوحيدة التي يعرفونها على شبكة الأنترنات، أي الفايسبوك. تنادت "الستاتيات" بأن الرئيس سيلقي خطابًا، خطاب مفاجئ على قياس الزيارات المُفاجئة، فربما يكون لوقعه ما لم و لن يبعثهُ التحوير الإيجابي من صدمة إيجابية.

    السيد الرئيس في طلته البهية، واقفًا أو نصف واقف، في وضعية لا أجدُ كلمةً يمكن أن تصفها، هي كالواقف متكأً على طاولة في أحد الكافتريات. وضعية تُعبر ربما عن حالة الرجل الذي و رغم كل الرسائل الإيجابية التي حاول أن يُرسلها فإنهُ بدا لي مُستجديًا، أكثر منهُ مُخاطبًا.

    من الرسائل الإيجابية التي قالها في خطابه بأنهُ لن يستقيل. بطبيعة الحال كان الأمر لبعض من اختلطت عليهم الأمورُ في الأيام الأخيرة، أمرًا جديدًا، و لكن الأمر لأصحاب لعاب الحلزون، بدا عاديًا فقد كانوا شبه واثقين بأن للرئيس من الاتزان المُفرط الذي يسميه بعضُ المُغردين "جبنًا"، و حُبًا لكرسي الرئاسة الذي طالما حلم به و قصر قرطاج المليء بالمستشارين و الناطقين و ثلاثين ألف دينار شهريًا و أشياء أخرى تجعلهُ لا يفكر حتى في الأمر. 

    لا بل و تجعلهُ كل مُغريات السلطة، يرى الوضع المُتردي الذي تعيشهُ البلاد اليوم "أزمة خلاقة"، عبارة كررها أكثر من ثمانية مرات. بعيدًا عن ما لهذه العبارة من صدى سيء يُذكرنا بخطابات كوندليز رايس عن "الفوضى الخلاقة"، لوصف حالة العراق بُعيد احتلاله، فوضى كانت خلاقة حقًا و لكن في صناعة الموت اليومي، فإننا سنحاولُ أن نفهم المعاني العميقة، القريبة و البعيدة، لكلمة السيد الرئيس.

    يُقر السيد الرئيس بوجود أزمة اليوم، لكنهُ يصفها "بالخلاقة"، مُعتبرًا أن الأنظمة الديمقراطية، تعيش في ظل الأزمات التي تعبر عن حيويتها، لا في ظل الاستقرار الواهم، الذي يشبههُ بالمستنقع الراكد، مواصلاً محاولة التوضيح بتقديم بعض المقارنات، مع دول عاشت مراحل الانتقال الديمقراطي، أي فرنسا، و البرتغال، مؤكدًا في أخر الخطاب كذلك بأنها "أزمة طبيعية"، و مستعملاً وصف "ما ناش شواذ".

    إذا يمكن أن نتفق مع السيد الرئيس في أن "الأزمة طبيعية" فجميع مراحل الانتقال الديمقراطي تشهد أزمات و انتكاسات، فإن الشك أو لعاب الحلزون يبقى حائمًا حول معنى الأزمة الخلاقة، فهل هي خلاقة فعلاً، في معنى "الإبداع و الابتكار"، و بكل ما تحملهُ الكلمة من معاني إيجابية، تعبر عن الانتقال من حالة متردية إلى حالة أفضل أو كما يسميه السيد الرئيس الخروج من عنق الزجاجة؟

    ليس لي الوقت و لا سعة الصدر لمحاولة تحليل "الأزمة" القائمة في تونس، منذُ تولي النخبة الحالية الحاكمة و حتى قبلها، و لكنني أقول من منظور حلزوني بحت، بعيد كل البعد عن الواقع و الموضوعية بأنها ليست "أزمة خلاقة"، و بعيدة عن معاني التجاوز، و معاني الانتقال الديمقراطي، التي أظن أنك يا سيدي الرئيس و الفريق المُحيط بك، تعلمون جيدًا ماهيتها، و يكفيكم لتعلموا، إن كنتم لا تعلمون أن تلقوا نظرة على مسودة الدستور الذي يُحضر لمُستقبل هذه البلاد، و أن تشاهدوا الفيديوات المُسربة لحلفائكم،  و نظام الحكم الذي يطمحون لإرسائه على المدى القريب أو البعيد، و المجتمع الموازي الذي يعملون ليلاً نهارًا على ترسيخه، أو التقارير المختلفة عن أنشطة الجماعات الإرهابية في تونس و ما تُحضر لهُ، أن تلقوا نظرة عن كثب على السياسة الاقتصادية التي يتبعها أخوكم و صديقكم رئيس الحكومة، و التي ورطت و ستورط البلاد، على مدى عقود كاملة.

    في أخر الخطاب أكد الرئيس على مسؤولية الجميع، و بأن المركب ستغرق بنا جميعًا. صحيح أن المركب يغرق نظريًا بالجميع، و لكن قادة المركب هم المسؤولون عن الوصول به إلى شاطئ الأمان، فلهذا قودهم الناس عليهم و هذه هي مهمتهم، هذا دون الإشارة من منظور حلزوني إلى أن العديد من قادة المركب، يحملون سترات نجاة أجنبية، و ربما حتى قوارب يدخرونها ليوم كهذا، فالتجاربُ تعلمنا أن هؤلاء بطريقة أو بأخرى دائمًا ينجون، و يبقى للشعب فتات الخبز الذي تحدث عنهُ الرئيس. 

    إن كنتم من كل هذا لا ترون أنها "أزمة" ليس لها أي تخريجات، تُعبر عن كل ما تحملهُ الكلمة من معاني، الشدة و الضيق و القحط السياسي، الاجتماعي و الاقتصادي...، إن كنتم مازلتم مُصرين على أنها "أزمة خلاقة"، فأنصحكم بأن تراجعوا طبيب عيونكم الخاص، علهُ يشير عليكم بتغيير النظارة.

    الكيخوتي: 05 فيفري 2013
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: قراءة حلزونية سريعة في خطاب "الأزمة الخلاقة" Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى