• اخر الاخبار

    خناجر الألفية الثالثة الحية

    غلاف رواية آلموت

    لا أظن أن فلاديمير بارتول وهو يخُط الأسطر الأخيرة من روايته "آلموت"، سنة 1939، كان يُدرك بأن عملهُ الأدبي المُقتبس من تاريخ "الحشاشين"، سيصبحُ مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين أمرًا واقعًا، بل ربما أشد هولاً مما صورهُ.

     كان الفدائيون في رواية آلموت، في حاجة إلى أن يزوروا الجنة التي وعدهم بها ابن الصباح، ليُضحوا ما كانوا عليه من "خناجر حية"، ورجال يتُوقون إلى الموت مُبتسمين، فهو في مُخيلتهم ليس إلا وسيلة للعودة إلى جنة الخُلد، حيثُ تمتد جنائن مليئة بالأزهار، وحوريات ناعمات كالحرير، مُتجددات العذرية، وخمر صافي وليالي من الأنس، وصباحٍ لا تكدرهُ ثمالة. 

    كم كان ابن الصباح سيكونُ سعيدًا بفدائيي الألفية الثالثة، فهو ليس بحاجة إلى شراء عشرات الفتيات والخصيان من مُختلف أسواق أصفهان، بغداد والقاهرة. وما كان في حاجة إلى الاستنجاد بدروس "أباما" في فن الإغواء، وكل ذلك العناء الذي تحملهُ أبو سراقة في تعليم الفتية، قبل أن يُكرسوا. ليس في حاجة أن يُقدم لهم مفتاح الجنة، ثم يوهمهم بزيارتها، فقط يكفيهم أن يعدهُم بها، ليصبحوا آلة قتل انتحارية في وجه الأعداء وحتى الأحباء. 

    لقد أصبحنا مُتعودين على مُذيع نشرة الأخبار وهو يتلو خبر تفجير أحد الانتحاريين–"الفدائيين" كما يرد في رواية آلموت- نفسهُ في أسواق بغداد أو دمشق ورُبما قريبًا في عواصم أُخرى. إن هذا التعود الغير طبيعي، يؤكد حالة البؤس الإنساني الذي وصلت إليه هذه "الحضارة" المُنتحرة على أعتاب الحداثة الإنسانية. 

    كُنتُ دائمًا أتبنى عملية إسقاط التاريخ الأوروبي على الحضارة العربية الإسلامية، وكنتُ أختمُ حواراتي مع بعض الأصدقاء الأوروبيين عن الوضع في منطقتنا بأننا نعيش في سنة 1434، اليوم صرتُ أعتقد أن هذا الإسقاط غير مقبول وغير معقول، بل هو مُجرد تبرير سهل، وهروب من سؤال محرج. فكيف يمكن أن تنتمي هذه الحضارة إلى القرن الواحد والعشرين تقنيًا-تكنولوجيًا(حتى لو كان ذلك في مستوى الاستهلاك) وأن تكون خارجهُ ثقافيًا وحضاريًا؟ المشهد بالنسبة لي أصبح شبيهًا جدًا بتلك الصورة من أفلام الرعب: مجموعة من الأشخاص النصف أموات و الهائمين في الشوارع، فلا هم ميتون ولا هم أحياء، فقط مجموعة من الهوام.

     الكيخوتي، 13 مارس 2014
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    Publier un commentaire

    Item Reviewed: خناجر الألفية الثالثة الحية Rating: 5 Reviewed By: @HosQuijote_الكيخوتي
    إلى الأعلى